عامر الطيّب/ شاعر عراقي
مرَّ اليوم العالمي للكتاب دون انتباه أو التفاتٍ، دون فضيحة أو إثارة جدل مثل أية طقوس مكرورة ،تحدثَ الكتّاب و المختصون بالشؤون الثقافية عما قرأوه من كتبٍ، عما أحبوه وعما فاتهم، عما أثر بهم وعما لم يجدِ نفعاً و أعاد غالبهم الحديث إلى قراءته الأولى معتبرا أنها الحجرة الأولى في تشيكل وعيه وذلك صحيح إلى حدٍ ما لكنْ كل كتاب ينبغي أن يعيد تشكيل جزء من وعينا وإلا فإن قراءاتنا ستبدو أقرب للعادة منها للمارسة النقدية.
اعتبرت اليونسكو هذا اليوم عيداً رمزياً للكتاب وحسب جوجل فقد وافق ذلك اليوم رحيل عدد من المبدعين العالميين مثل وليم شكسبير، غارثيلاسو دي لافيغا، وميغيل دي ثيربانتس .
يأتي هذا اليوم ليس للحديث عن ذكرياتنا مع الكتب أو عن أمزجتنا وعواطفنا مع ضرورة ذلك إنما يوجه للاهتمام بحقوق المؤلف وللحديث عن التزامات النشر ،عن صناعة الكتاب والتي تعني بشكل أو بآخر صناعة القراء .
وضمن السياق نفسه تواجهنا المشكلات البدائية في حقلنا الثقافي مثل حقوق المؤلف المهدورة و تحول دور النشر إلى دكاكين تجارية يخيل لأصحابها مثل ما يخيل لغالب تجار السوق استحالة الربح دون النصب و الخداع.
ما المؤلف و ما حقوقه وأين يزن الكاتب العربي العقود المتطابقة التي يبرمها مع دور النشر والتي تنص كلها على نسبة من الربح المادي و عدد من النسخ و التسويق و إعادة طبع الكتاب مرة ثانية ؟
أينا وصلته نسخه دون معاناة؟ أينا استلم دولاراً واحداً دون مماطلة ؟ أينا أعيد طبع كتابه بعد فترة معقولة؟ أينا تم تسويق كتبه في معارض الكتب دون تساؤلات و جذب و شد؟
دور نشر تبدو مرموقة يتحدث العديد من الكتاب الذين خدمتهم ،الكبار غالباً، يتحدثون عن جودتها و اهتمامها بالنهضة الثقافية وهي لا تعدو أكثر من لصوصية مقننة ذكية و ملساء تبتلع الكتاب الصغار و تستهين بمنتجاتهم فيما ترضي غرور الكتاب المشهورين لأن كلمتهم هي الأهم بالنسبة لأصحاب هذه الدور الذين ينحدر غالبهم من حقول أدبية و فنية مثل الشعر و الرواية و الفن التشكيلي وذلك ما يجعل الأمر مؤسفاً.
يقولون: دور نشر مرموقة! وهي لا تعدو أكثر من لصوصية مقننة ذكية و ملساء تبتلع الكتاب الصغار وتستهين بمنتجاتهم
و إذا افترضنا أننا سنقترح يوماً عربياً للكتاب أو لفضح الكتاب العربي فسيتوجب على كل واحد منا الحديث عن عمليات النصب التي تعرض لها ، عن الاستفزاز و الابتزاز الذي لقيه وهو في طريقه لصنع كتابه الخاص و دون الدخول بمهاترات و حروب صغيرة هل يستطيع أحدنا ذكر ثلاثة دور نشر يثق بها و يمكنه أن يرشحها لأصدقائه من الكتاب الجدد ؟!
تحتفظ مفردة الكتاب بتاريخ طويل من المعاناة من الحرق و الإهمال و الغرق و في للوقت نفسه فإن لها التاريخ العريق أيضاً من التحولات بموازاة التحولات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية الكبرى وحتى دخول المطبعة و شيوعها لم يكن الكاتب هنا أو هناك يتحدث سوى عن مأساة واحدة هي الجهل و الأمية و عدم القراءة أي أن المشكلات لم تتطور بعد ولم تتنوع وهي مفارقة لتبدو مشكلات الكاتب المعاصر أشد بدائية و مرارة فهو لم يعد يشكو من الجهل إنما من عدم وصول الكتاب ،من إمكانية أن تكون طباعة ألف نسخة جزءاً من الحلم العظيم .
في 2018 ساعدني الشاعر المصري إبراهيم المصري مشكوراً بنشر كتابي و مراجعته و كالجميع كنتُ حالماً أكثر مما ينبغي معتقداً أن صدور كتاب قد يغير شيئاً من حياتي قد يصنع لي مكانة صغيرة و فريدة بين البشر وبالفعل صدر الكتاب و عشتُ لذة نشر غلافه و مشاركة أخبار صدوره لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ كم بيع من النسخ وأين هو الآن و كم بقي من نسخة؟ لا أحد يعلم ولا يمكنني بعد ذلك أخذ شروط العقد الموقع عليها من قبلي على محمل الجد.
الحديث طويل وذو مرارة إذ تغدو حقوق المؤلف العربي أغرب و أشد شجناً و سخرية من حقوق الإنسان العربي
جاء بعد ذلك فوزي بجائزة اتحاد الأدباء و الكتاب العراقيين دون سن الـ ٣٥ عاماً عبر كتاب شعري تمت طباعته و أعلن عن احتفال و توقيع للكتاب في مقر الاتحاد اتحاد الجواهري كما يسمونه و عاودتُ طرح الأسئلة ذاتها أين الكتاب كم بيع منه وكن بقي وأين وصل؟.
أن الحديث طويل وذو مرارة إذ تغدو حقوق المؤلف العربي أغرب و أشد شجناً و سخرية من حقوق الإنسان العربي في مواطناً أو منفياً فما الذي ينبغي قوله للمتفائلين من للكتاب الجدد الذين ينوون بطبع مؤلفاتهن الأولى؟ هل ينبغي تشجيعهم دون إخبارهم بالحقيقة ؟ ألا يشكل توجيههم نحو النشر دون تحذير ضرباً من الخداع؟ ألا يجعلنا نحن مَن لنا تجارب سابقة شركاءً في سياسات دور النشر العربية و مسوقين لها؟
و من جهتي فإن نصيحتي للكتاب الجدد ممن ينوون طبع كتبهم الأولى بتفاؤل كبير و سقف طموحات عالٍ :
ينبغي أن تنمّوا يأسكم العابر من أجل المعارك القادمة مع خيبة الأمل .