مع الانهيار الاقتصادي وفقدان الأمان.. أرقام مخيفة لحالات الانتحار في لبنان

الأربعاء 5 أبريل 2023

في حادث مأساوي أطلق رجل مساء الأحد الماضي النار على زوجته وابنتيه جنوب لبنان بواسطة سلاح حربي، ما تسبب بإصابتهن بجروح مختلفة، ثم عمد على إطلاق النار على نفسه ما أدى إلى وفاته إلى الفور.
نجا أحد الأولاد الذي فرّ هارباً، بينما لا تزال الابنتان ووالدتهما في المستشفى.
حادثة جديدة تضاف إلى سلسلة حوادث الانتحار التي يشهدها لبنان منذ العام 2019، بعد الانهيار الاقتصادي الذي أدّى إلى تفاقم الأعباء المالية على مواطنين وجدوا أنفسهم في مهبّ الرّيح، فاتّخذ بعضهم قرار إنهاء معاناته منتحراً.
وكان العام 2023 قد سجّل في ثلثه الأوّل معدّل انتحار مرتفع، بنسبة حالة كل 60 ساعة، بينما سجّل العام 2022 بحسب أرقام قوى الأمن الداخلي 138 حالة انتحار.
ويشير خبراء إلى أنّ هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة الواقع، إذ أنّ الأرقام الحقيقيّة قد تكون أكبر بكثير، لأن هناك العديد من العائلات التي لا تبلغ قوى الأمن عن انتحار أحد أفرادها، لأسباب دينية واجتماعية.
ورغم ارتفاع الأرقام، إلا أنّه وفقاً للمؤسسة الدولية للمعلومات، وهي مؤسسة تُعنى بالإحصاء، فإن حوادث الانتحار تراجعت عام 2022 مقارنة بـ2021، بحيث وصل متوسط حوادث الانتحار سنوياً خلال الأعوام 2013 – 2022 إلى 143 حادثة، فيما سجل العدد الأكبر عام 2019 (172 حادثة). أما العدد الأدنى فسجل سنة 2013 (111 حادثة).
وبحسب مصدر في الدولية للمعلومات، فإنّ حوادث الانتحار سجّلت 21 حادثة في شهري يناير وفبراير وحدهما، وهو مؤشّر خطير جداً لأنّ السنة لا تزال في بدايتها.

شهر مارس.. 7 حالات خلال أسبوعين
خلال الأسبوعين الأوّلين من شهر مارس الماضي، سجّل لبنان 7 حالات إنتحار بين مواطنين أنهوا حياتهم في مختلف المناطق اللبنانية. وبحسب إحصاءات قوى الأمن الداخلي، فإنّ المنتحرين ينتمون إلى فئات عمرية مختلفة، ومعظم دوافع الانتحار جاءت لأسباب ماديّة تتعلق بالأزمة الاقتصادية.
ورغم أنّ ضحايا الانتحار لا يبقون مجرّد أرقام، وتتداول قصص لحظاتهم الأخيرة وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ القصّة الأكثر مأساوية كانت مأساة انتحار الشاب الثلاثيني جواد الشامي الذي رحل تاركاً وراءه زوجة وطفلين.
فقد أرسل جواد قبل أن يطلق النار على رأسه رسالة صوتية إلى أحد أصدقائه، طالبه فيها بالاهتمام بولديه وزوجته، والاعتذار منهم لأنّه لم يعد بإمكانه تأمين قوت يومهم.
ورغم ترك المنتحرين غالباً رسائل مكتوبة على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، إلا أنّ رسالة جواد الصوتية كان لها أبلغ الأثر في معايشة اللحظات الأخيرة التي يمرّ بها المنتحرون قبل أن ينهوا حياتهم، ما دفع بالجمعيات الأهلية إلى دقّ ناقوس الخطر في ظل الانهيار المستمر في الاقتصاد اللبناني، وعجز الدّولة عن إيجاد حلول.
خط الحياة
مع تقاعس الجهات الرسمية عن القيام بخطوات عملية تحدّ من حجم التدهور الحاصل وانعكاسه على حياة المواطنين، نشطت الجمعيات الأهلية، التي خصّص بعضها خطوطاً ساخنة للأشخاص الذين تنتابهم أفكار انتحارية.
وفي هذا الإطار تشير ميا عطوي رئيسة جمعية Embrace Lebanonالمشرفة على الخط الوطني الساخن للدعم النفسي والوقاية من الانتحار (خط الحياة) ، في حديثها لـ”نص خبر”، إلى أنّ أرقام حالات الانتحار تستند إلى إحصاءات قوى الأمن الداخلي، وتشير إلى أنّ هناك حالات غير مسجلة رسمياً، يجري التعتيم عليها لأسباب دينية وأخرى تتعلق بوصمة العار المجتمعي.
ومع التهويل الحاصل مع ازدياد عدد حالات الانتحار منذ مطلع العام الجاري، تقول عطوي إنّنا لا نستطيع أن نتوّقع ما إذا كانت الأرقام سترتفع أم تنخفض بانتظار إحصاءات نهاية العام.
وعن الأسباب التي تقف وراء ازدياد حالات الانتحار تقول “من الواضح أنّ الظروف الحياتية الصعبة التي خلّفتها الأزمة الاقتصادية والمالية التي يمرّ بها لبنان، شكّلت ضغطاً نفسياً كبيراً انعكس بشكلٍ خاصٍ على الأشخاص الذين يعانون من مشاكل نفسية وأمراض أبرزها الاكتئاب”.
وتشير عطوي إلى أنّ هؤلاء الأشخاص يشعرون أزاء الأزمات المتلاحقة باليأس والعجز الذي يدفع بالبعض منهم إلى إنهاء حياته.
وتشير عطوي إلى أنّ حالات الانتحار ليست وليدة الأزمة الاقتصادية، إذ كشفت دراسات أجريت بين الأعوام 2008 و2018 أي قبل الانهيار الاقتصادي، إلى أن شخصاً واحداً في لبنان يُفكر كل ست ساعات بإنهاء حياته، وقد يحاول الانتحار، وأن شخصاً واحداً ينتحر كلّ يومين ونصف اليوم.

أسباب الانتحار
تشير المعالجة النفسية د. لمياء عواد إلى أنّ الأسباب الاقتصادية لا تقف وحدها وراء حالات الانتحار، إذ أنّ المراقبة الفعلية لمن يقدمون على محاولات انتحار، أشارت إلى أن معظمهم تستولي عليه الحاجة إلى إنهاء آلامهم مع الشعور باليأس من أنّ الأمور قد تكون على ما يرام.
وتقول د. عواد، إنّها لمست من خلال معاينتها لأشخاص حاولوا الانتحار، عدّة عوامل دفعتهم إلى اتخاذ القرار المأساوي منها عوامل بيولوجية، تتعلق بتغير في الهرمونات أو عوامل وراثية. كما ثمّة عوامل نفسية، تتعلّق بمدى قدرة الأشخاص على امتصاص الصدمات.
وتشير د. عواد إلى أنّ العوامل الاجتماعية تلعب دوراً بالغاً في حوادث الانتحار، خصوصاً عندما يجد الشخص نفسه عاجزاً عن الوصول إلى الأساسيات فيفقد الشعور بالأمان وهو ما يحصل مع العديد من المواطنين في لبنان.
وعن أهمية المساعدة النفسية للحؤول دون اتخاذ قرار الانتحار، تقول د. لمياء إنّ ثمة أشخاصاً يتّصلون بالخط الساخن الذي خصصته وزارة الصحة للدعم النفسي وهم على أهبة الانتحار، ما يعكس تخبّطهم بين رغبتهم في إنهاء حياتهم والتخلّص من الشعور العارم بالألم، وبين تمسّكهم بأمل ضئيل في الحياة، وتقول إنّ المساعدة النفسية دائماً تساعد في إيجاد الحلول.

عدوى الانتحار
مع تزايد حالات الانتحار، وتهليل رواد مواقع التواصل الاجتماعي للمنتحر باعتباره بطلاً، وتعاطف البعض معه باعتباره ضحية، تبرز مسؤولية وسائل الإعلام التي يحمّلها البعض جزءاً من المسؤولية حول ارتفاع حالات المنتحرين، لتعميمها ما يسمّى بعدوى الانتحار.
ولكن هل ثمّة عدوى انتحار أصلاً؟
يقول الاستشاري في عالم النفس العيادي د. سمير حب الله إنّ تناول قصص الانتحار بشكل مبالغ فيه عبر وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، والحديث عن طرق الانتحار ليس مفيداً على الإطلاق لأي شخص يملك أفكاراً انتحارية.
ويعوّل د. حب الله على الدور الذي يمكن للإعلام أن يلعبه من خلال مساهتمه في زيادة الوعي عن الصحة النفسية.
ويشدّد على ضرورة وضع بروتوكولات يلتزم بها الجميع لناحية التعامل مع أخبار الانتحار، على ألا يتضمن نقل الخبر أي صور لأدوات أو مسرح الانتحار أو وصية الشخص أو صورته، كي لا تصبح هذه الحوادث ملهمة للأشخاص الذي يشعرون بفقدان الأمل ويبحثون عن طريقة لإنهاء حياتهم.
ويؤكد د. حب الله أنّ الأزمة الاقتصادية ساهمت في زيادة عدد حالات الانتحار لدى الأشخاص الذي يعانون من اضطرابات نفسية أصلاً، ولم يتمكّنوا من التأقلم مع الانهيار الحاد والسريع الذي شهدته البلاد، والذي حرمهم من أبسط حقوقهم ومن مصادر الأمان.
وأشار إلى أن الأرقام العالمية توضح أن 75% من حالات الانتحار تحدث في البلدان المنخفضة إلى متوسطة الدخل، خصوصاً بين الفئات الأضعف أصحاب الاضطرابات النفسية على وجه الخصوص.
يذكر أن لبنان يعاني منذ خريف العام 2019 من انهيار اقتصادي وصفه البنك الدّولي بأنه ضمن أسوأ 10 أزمات عالمية منذ منتصف القرن الـ19، مع غياب أي رؤية انقاذية تعطي للبنانيين أملاً أن غداً قد يكون أفضل.

قد يعجبك ايضا