المخذولون

8 أغسطس 2023

رانيا يوسف – كاتبة سورية

الهدف اختفى لكنّ الحقد متأهب، ومخزن السلاح في بندقيتك لا زال ساخناً وممتلئاً، أين ستولي وجهك يامسكين، وقد أنكرك الكون إذ أنكرك سيدك، وتجاهل غضبك وقلّة حيلتك، وأمام عينيك المشوشتين صافح أعداء الماضي القريب بابتسامة؟

أغلق فمك لست أكثر من خلد أعمى تكسّرت مخالبه، وهو يحفر نفقاً لينجو سيده، والسيد قد يكون مبدأ. والمبدأ أب. كانت الحرب العالميّة الثانية هي أول خسارة لأحفاد الساموراي منذ ما يقارب 2000عاماً إذ أعلن الامبراطور -الإله- وريث أقدم سلالة حاكمة في التاريخ أعلن الاستسلام في كلمات “لا يهمني ما سيحدث لي شخصياً لكنني أريد النجاة لجميع رعاياي”.

لكن موجة انتحارات كان باعثها دينياً وثقافياً محلياً اجتاحت اليابان البلد الذي كان يرفض فكرة الاستسلام. مع أنّه لم يبق منهم سوى جلد محروق معلّق على عظام. وبما أن أمريكا وضعت في سرّة الدستور الياباني المادة التاسعة التي تعلن تخلّي اليابان عن حقّها في شن الحرب لحق سيادي، خلقت اليابان سيادة من نوع آخر…سيادة التكنولوجيا والاقتصاد المتطور. والدنيا ليست كلّها أحفاداً للساموراي.

في بقاع العالم أجمع يوجد أناسٌ علّمهم أجدادهم كيف يبتلعون الهزائم والجراح إلى حين، ويتظاهرون بالسذاجة والبساطة حتى يحين الوقت لإظهار القوة الساحقة، كما قال كونفوشيوس فيلسوف الصين الأول”جابه أعداءك بأقل مقدار من القوة” لكن في البلاد التي صارت فيها اللّا …نعماً، حيث انهار كلّ شيء دفعةً واحدة، اختار الناس أن يموتوا بطريقة مختلفة، وقطّعوا بأسنانهم الحبال السريّة التي تربطهم بماضيهم، إذ لم يعد هناك ما يقنعهم بالفخر به.. والفخر هويّة.

هل تفنى الشحنة المهولة من الإيمان بالمبدأ، عندما يعقد الكبار الصفقات والمعاهدات والتنازلات، في كل الحروب غير المنتهية، يبدو كأن الناس يصبحون بلا رؤوس، بلا شك سيكمنون ريثما ينبت لهم رأس جديد، وحتّى يحين ذلك الوقت ستتفرغ شحنة الإيمان والكرامة المهدورة بأشكال مرعبة وقد تكون في كثير من الأحيان هدّامة. والأوفر حظاً سيعاد تدويره وتهيأته لمعارك أخرى يقنعونه فيها بأن الأرض تتكئ عليه.

قد يصير المخذولون عقارب محاصرة بالنّار.. يقتلها غيظها، لكنّهم أيضا قد يصيرون قوة كامنة جبّارة، يعرف الذين يبدون كأنهم كائنات من عالم آخر كيف يستغلونها، أيّها المخذول: الهدف لم يختف.. الهدف صار أنت!

قد يعجبك ايضا