قد تبدأ ببقعة صغيرة على فروة الرأس أو الكوع، ثم تصبح القشور أكثر وضوحاً ويظهر معها الاحمرار أو الحكة. للوهلة الأولى، قد تبدو المشكلة جفافاً شديداً أو حساسية عابرة، لكن الصدفية مختلفة؛ فهي مرض التهابي مزمن يرتبط باضطراب في الجهاز المناعي، وقد تتجاوز تأثيراته الجلد لدى بعض المصابين.
والأهم أن الصدفية ليست معدية. لا تنتقل بالمصافحة أو ملامسة الجلد أو مشاركة الملابس، رغم أن مظهرها الواضح قد يؤدي أحياناً إلى اعتقادات خاطئة ووصمة اجتماعية تجاه المصابين بها.
ما الصدفية؟
في البشرة الطبيعية، ينتج الجسم خلايا جلد جديدة ويتخلص تدريجياً من الخلايا القديمة. أما لدى المصاب بالصدفية، فتتسارع هذه العملية بصورة غير طبيعية نتيجة نشاط مناعي غير منتظم، ما يؤدي إلى تراكم الخلايا على سطح البشرة وتكوّن البقع والقشور المميزة للمرض.
ويعد Plaque Psoriasis أو الصدفية اللويحية النوع الأكثر شيوعاً، وتظهر عادة على هيئة بقع جلدية سميكة ومرتفعة ومغطاة بالقشور. ومن المناطق الشائعة لظهورها الركبتان والكوعان وفروة الرأس والجذع.
ليست كل الصدفية متشابهة
ليست هناك صورة واحدة للصدفية. فالصدفية اللويحية هي الأكثر انتشاراً، لكن هناك أيضاً الصدفية النقطية التي تظهر في صورة بقع صغيرة تشبه قطرات الماء، والصدفية العكسية التي تصيب ثنيات الجسم وتكون أكثر نعومة وأقل تقشراً، إضافة إلى الصدفية البثرية وأشكال أخرى أقل شيوعاً.
كما قد يختلف لونها باختلاف لون البشرة. فقد تبدو وردية أو حمراء مع قشور فضية على البشرة الفاتحة، بينما يمكن أن تميل إلى البنفسجي أو البني مع درجات رمادية على البشرة الداكنة. ولهذا فإن الاعتماد على صورة واحدة من الإنترنت لمحاولة تشخيص المرض قد يكون مضللاً.
لماذا تظهر الصدفية؟
لا يوجد سبب واحد يمكن اعتباره المسؤول عن الإصابة. وتشير المعرفة الطبية الحالية إلى تداخل الجهاز المناعي والعوامل الوراثية والبيئية في تطور المرض.
وقد يبقى الشخص الذي لديه استعداد للإصابة من دون أعراض فترة طويلة، ثم تبدأ الصدفية أو تشتد بعد التعرض لمحفز معين. ومن المحفزات المعروفة بعض أنواع العدوى، وإصابات الجلد وحروق الشمس الشديدة، والطقس البارد والجاف، والتدخين، والإفراط في تناول الكحول، إضافة إلى بعض الأدوية.
لهذا تمر الصدفية غالباً بمراحل؛ قد تشتد الأعراض لأسابيع أو أشهر، ثم تهدأ لفترة قبل أن تظهر نوبة أخرى.
عندما تظهر الصدفية في الأظافر
الجلد ليس المكان الوحيد الذي يمكن أن تظهر فيه الصدفية. فقد تصيب أظافر اليدين والقدمين أيضاً، وأحياناً تكون التغيرات الموجودة في الظفر جزءاً مهماً من الصورة السريرية للمرض.
يمكن أن تظهر حفر صغيرة على سطح الظفر أو يتغير لونه، كما قد يصبح أكثر سماكة أو يبدأ بالانفصال عن سرير الظفر. لذلك لا ينبغي التعامل مع التغيرات الواضحة في الأظافر لدى مريض الصدفية باعتبارها مشكلة تجميلية فقط.
عندما لا تتوقف الصدفية عند الجلد
من أهم الأمور التي ينبغي أن يعرفها المصاب بالصدفية علاقتها بـالتهاب المفاصل الصدفي Psoriatic Arthritis.
يمكن لهذا المرض الالتهابي أن يسبب ألماً وتيبساً وتورماً في المفاصل، وقد يؤدي عدم علاجه إلى تلف المفاصل. كما ترتبط الصدفية بارتفاع خطر الإصابة بعدد من الحالات الصحية الأخرى، ما يجعل متابعة صحة المريض ككل مهمة وليس التركيز على الجلد وحده.
لذلك فإن ظهور تورم أو ألم مستمر في المفاصل أو تيبس ملحوظ، خصوصاً لدى شخص مشخص بالصدفية، يستحق إبلاغ الطبيب به.
هل يمكن الشفاء من الصدفية نهائياً؟
حتى الآن لا يوجد علاج يزيل الصدفية نهائياً، لكن هذا لا يعني أن المريض مضطر إلى التعايش مع أعراض شديدة باستمرار. فقد تطورت خيارات العلاج بصورة كبيرة، ويمكن في كثير من الحالات تحقيق سيطرة جيدة على المرض وتقليل القشور والالتهاب والحكة وإطالة فترات هدوئه.
وتختلف الخطة من شخص إلى آخر بحسب نوع الصدفية وشدتها والمناطق المصابة والاستجابة للعلاجات السابقة، ولذلك قد يحتاج الطبيب إلى تجربة أكثر من خيار أو الجمع بين علاجات مختلفة للوصول إلى النتيجة المناسبة.
من الكريمات إلى العلاج الضوئي
في الحالات الخفيفة إلى المتوسطة، قد تكون المستحضرات الموضعية جزءاً أساسياً من العلاج، ومن بينها أنواع من الكورتيكوستيرويدات الموضعية ومشتقات فيتامين D وغيرها من الأدوية التي يحددها الطبيب بحسب المنطقة المصابة وشدة الحالة.
وهناك أيضاً العلاج الضوئي Phototherapy، الذي يعتمد على تعريض الجلد لكميات مضبوطة من الأشعة فوق البنفسجية وفق بروتوكول علاجي محدد. وقد يستخدم بمفرده أو إلى جانب علاجات أخرى، خصوصاً في بعض الحالات المتوسطة إلى الشديدة.
العلاجات البيولوجية غيرت الكثير
في الحالات المتوسطة والشديدة، قد يلجأ الطبيب إلى أدوية جهازية تؤخذ عن طريق الفم أو الحقن. ومن بينها العلاجات البيولوجية Biologics، التي تستهدف أجزاء محددة من الاستجابة المناعية المرتبطة بالالتهاب والصدفية.
وتتوفر اليوم خيارات متعددة من هذه الأدوية، لكن اختيارها يحتاج إلى تقييم طبي ومتابعة، لأنها تؤثر في الجهاز المناعي وقد تزيد قابلية الإصابة ببعض أنواع العدوى. وقد يحتاج المريض إلى فحوص معينة، ومنها التحري عن السل، قبل استخدام بعض العلاجات البيولوجية.
هل الطعام يعالج الصدفية؟
تنتشر على مواقع التواصل حميات كثيرة يُقال إنها قادرة على «علاج الصدفية»، لكن لا توجد حمية واحدة ثبت أنها تشفي المرض لدى الجميع.
وتشير Mayo Clinic إلى أن كثيراً من العلاجات البديلة والأنظمة والمكملات التي تُستخدم للصدفية لا تستند إلى أدلة قوية. لذلك لا ينبغي استبدال العلاج الطبي بحمية شديدة التقييد أو مكمل غذائي لمجرد انتشار تجارب شخصية عنه على الإنترنت.
في المقابل، تبقى العناية بالصحة العامة مهمة، خصوصاً أن الصدفية ترتبط لدى بعض المرضى بحالات صحية أخرى. ويحدد الطبيب ما إذا كانت هناك تعديلات في الوزن أو الغذاء أو نمط الحياة يمكن أن تفيد الحالة الفردية.
العناية اليومية قد تصنع فرقاً
لا تحل العناية اليومية محل العلاج، لكنها تساعد على حماية حاجز البشرة وتقليل الجفاف والتهيج. ويُعد الترطيب المنتظم من الخطوات المهمة، مع تجنب العبث بالقشور أو حك الجلد بقوة.
كما يفيد أن يتعرف الشخص إلى محفزاته الخاصة. فإذا تكررت النوبات بعد ضغط نفسي شديد أو خلال الطقس البارد والجاف أو عقب إصابة الجلد، يصبح رصد هذا النمط مفيداً في إدارة المرض.
أما الشمس، فلا ينبغي استخدامها كعلاج عشوائي. فالعلاج الضوئي الطبي يعتمد على جرعات محسوبة، بينما يمكن لحروق الشمس نفسها أن تحفز نوبات الصدفية لدى بعض الأشخاص.
متى يجب زيارة الطبيب؟
يستحق الطفح الجلدي المستمر أو المتكرر تقييماً لدى طبيب الجلدية، خصوصاً عندما ينتشر أو يسبب ألماً أو حكة شديدة أو يؤثر في النوم والحياة اليومية. فهناك حالات جلدية أخرى قد تشبه الصدفية، وقد يحتاج الطبيب في بعض الحالات إلى أخذ عينة صغيرة من الجلد لاستبعاد أسباب أخرى.
كما يجب الانتباه إلى الأظافر والمفاصل، وعدم اعتبار كل ما يحدث خارج الجلد منفصلاً عن الصدفية.
الصدفية أكثر مما نراه على الجلد
قد تكون القشور هي الجزء المرئي من الصدفية، لكنها لا تروي القصة كاملة. فالمرض يرتبط بالجهاز المناعي ويمكن أن يؤثر في الأظافر والمفاصل، كما أن الحكة والألم ووضوح البقع قد تؤثر في النوم والحياة اليومية والثقة بالنفس.
وفي المقابل، لم تعد خيارات العلاج محدودة كما كانت في السابق. من المستحضرات الموضعية والعلاج الضوئي إلى الأدوية الجهازية والعلاجات البيولوجية، أصبح لدى الأطباء وسائل متعددة للسيطرة على المرض.
لذلك فإن الخطوة الأهم ليست إخفاء الصدفية، بل تشخيصها بصورة صحيحة واختيار العلاج الذي يناسب نوعها وشدتها وحالة كل شخص.