تخيّل أن يرن هاتفك، فتسمع صوت ابنك أو والدتك أو أحد أصدقائك المقربين يطلب منك تحويل مبلغ مالي على وجه السرعة. الصوت مألوف، وطريقة الكلام تبدو طبيعية، وحتى نبرة القلق قد تكون مقنعة. لكن المفاجأة أن الشخص الذي تسمعه ربما لم يتصل بك أصلاً.
لم يعد تقليد الأصوات مقتصراً على الممثلين أو التسجيلات المعدّلة. فقد أتاحت تقنيات الذكاء الاصطناعي إنشاء أصوات تشبه أصوات أشخاص حقيقيين، ما فتح الباب أمام أساليب احتيال تستغل ثقة الناس بأفراد عائلاتهم وأصدقائهم.
والأخطر أن المحتال لا يحتاج دائماً إلى تسجيل طويل. فقد تكفي عينة صوتية قصيرة في بعض الأدوات لإنتاج صوت مشابه، وإن كانت جودة التقليد تختلف بحسب التقنية والتسجيل المتاح.
فكيف تحدث هذه الخدعة؟ وهل يمكن اكتشاف الصوت المزيف؟ وما الخطوة التي قد تحميك قبل إرسال المال أو مشاركة معلوماتك الشخصية؟
ما هو الاحتيال الصوتي بالذكاء الاصطناعي؟
يعتمد هذا النوع من الاحتيال على تقنية تُعرف باسم «استنساخ الصوت» (Voice Cloning)، وهي استخدام الذكاء الاصطناعي لإنشاء كلام بصوت يشبه صوت شخص حقيقي.
وتتعلم بعض الأنظمة خصائص الصوت من تسجيلات سابقة، مثل النبرة والإيقاع وطريقة النطق، ثم تستخدمها لإنتاج عبارات جديدة لم يقلها صاحب الصوت الأصلي.
وقد يحصل المحتال على عينات صوتية من مقاطع منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو رسائل صوتية مسرّبة، أو تسجيلات متاحة عبر الإنترنت.
لكن وجود تسجيل لشخص لا يعني بالضرورة أن صوته يمكن تقليده بدقة كاملة. فالنتيجة تختلف باختلاف جودة التسجيل والأداة المستخدمة.
كيف تبدأ مكالمة الاحتيال بصوت شخص تعرفه؟
غالباً ما تعتمد الخدعة على موقف طارئ يمنح الضحية وقتاً محدوداً للتفكير.
قد تسمع صوتاً يشبه صوت أحد أفراد عائلتك يخبرك بأنه تعرض لحادث، أو فقد هاتفه، أو يحتاج إلى المال فوراً.
وفي سيناريو آخر، قد ينتحل المحتال صوت مدير في العمل ويطلب تحويل مبلغ إلى حساب جديد، أو إرسال معلومات مالية سرية.
وتكمن خطورة هذه المكالمات في الجمع بين عاملين: صوت مألوف يمنح شعوراً بالثقة، وقصة عاجلة تدفع المتلقي إلى التصرف قبل التحقق.
وقد لا يكون الصوت وحده وسيلة الخداع؛ فالمحتال قد يجمعه مع معلومات شخصية حصل عليها مسبقاً ليجعل القصة أكثر إقناعاً.
هل يمكن استنساخ صوتك من فيديو قصير؟
نعم، يمكن لبعض تقنيات الذكاء الاصطناعي إنشاء صوت مشابه اعتماداً على تسجيل قصير، لكن ذلك لا يعني أن أي مقطع صوتي يكفي دائماً لإنتاج نسخة مطابقة.
وحذّرت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية (FTC) من أن المحتالين قد يستغلون المقاطع الصوتية المنشورة عبر الإنترنت لتقليد أصوات أفراد العائلة، ثم استخدامها في مكالمات طوارئ وهمية.
وهذا يجعل المقاطع المنشورة على إنستغرام وتيك توك والمنصات الأخرى مصدراً محتملاً للعينات الصوتية، خصوصاً عندما تتضمن كلاماً واضحاً دون ضوضاء كثيرة.
5 علامات قد تكشف مكالمة احتيال بالذكاء الاصطناعي
-
طلب المال فوراً: يخبرك المتصل بوجود حالة طارئة، ويصر على تحويل مبلغ دون تأخير.
-
منعك من الاتصال بالآخرين: يطلب منك إبقاء الأمر سراً، بحجة تجنب إحراج أو مشكلة أكبر.
-
طلب التحويل إلى حساب غير مألوف: يرسل بيانات حساب جديد أو يطلب الدفع بوسائل يصعب استرداد الأموال من خلالها.
-
التهرب من أسئلة التحقق: يغيّر الموضوع عندما تسأله عن تفاصيل شخصية أو تطلب التواصل معه بطريقة أخرى.
-
وجود اختلافات في الكلام: قد تلاحظ توقفات غير طبيعية أو اختلافاً في النبرة، لكن غياب هذه العلامات لا يثبت أن الصوت حقيقي.
وتؤكد الجهات المختصة أن الضغط النفسي والاستعجال والسرية من الأساليب المتكررة في عمليات انتحال شخصية أفراد العائلة.
لماذا لا يكفي أن تتعرف على الصوت؟
اعتاد الناس الاعتماد على الصوت بوصفه وسيلة للتعرف على الآخرين، خصوصاً أفراد العائلة والأصدقاء المقربين.
لكن تقنيات استنساخ الصوت جعلت هذه الثقة أقل أماناً عندما يتعلق الأمر بتحويل الأموال أو مشاركة المعلومات الحساسة.
فحتى لو بدا الصوت مطابقاً لصوت شخص تعرفه، لا يمكنك التأكد من هويته اعتماداً على المكالمة وحدها.
وفي تحذير أصدره مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI) في ديسمبر 2025، أشار إلى استخدام رسائل صوتية مولّدة بالذكاء الاصطناعي لانتحال شخصيات مسؤولين وشخصيات معروفة بهدف خداع المستهدفين.
ماذا تفعل إذا تلقيت مكالمة بصوت شخص تعرفه يطلب المال؟
الخطوة الأهم هي إنهاء المكالمة والاتصال بالشخص بنفسك على رقم تعرفه مسبقاً، وليس الرقم الذي يقدمه المتصل.
وإذا لم تتمكن من الوصول إليه، تواصل مع أحد أفراد العائلة أو شخص موثوق يمكنه التأكد من سلامته.
ويمكنك أيضاً الاتفاق مسبقاً مع عائلتك على كلمة تحقق خاصة تُستخدم في حالات الطوارئ. لكن ينبغي عدم مشاركتها علناً، وعدم اعتبارها وسيلة حماية وحيدة.
ولا ترسل أي أموال أو رموز تحقق أو بيانات مصرفية قبل التأكد من هوية المتصل من قناة مستقلة.
هذه الإجراءات تتوافق مع نصائح لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن مكالمات انتحال الهوية.
احتيال الذكاء الاصطناعي بالأرقام.. خسائر بملايين الدولارات
لم تعد عمليات الاحتيال المرتبطة بالذكاء الاصطناعي مجرد سيناريوهات افتراضية.
فبحسب تقرير مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لـFBI لعام 2025، سُجلت أكثر من 22 ألف شكوى تضمنت معلومات عن استخدام الذكاء الاصطناعي في جرائم إلكترونية، بخسائر تجاوزت 893 مليون دولار.
وأشار التقرير نفسه إلى خسائر تجاوزت خمسة ملايين دولار في عمليات الاحتيال القائمة على ادعاء وجود حالة طوارئ لدى أحد أفراد العائلة أو المقربين، وهي فئة قد تتضمن استنساخ الأصوات.
وتوضح هذه البيانات حجم المشكلة، مع ضرورة الانتباه إلى أن الأرقام تخص البلاغات المسجلة في الولايات المتحدة ولا تمثل إحصاءً عالمياً.
هل يمكن أن يظهر رقم الشخص الحقيقي أثناء المكالمة المزيفة؟
نعم، فقد يستخدم المحتالون تقنية أخرى تُعرف باسم «انتحال رقم المتصل» (Caller ID Spoofing)، تسمح بإظهار رقم مختلف عن الرقم الذي يتصلون منه فعلياً.
ولهذا، لا يُعد ظهور اسم قريبك أو رقمه على شاشة الهاتف دليلاً قاطعاً على أنه المتصل.
وتزداد خطورة الخدعة عندما يجتمع رقم مألوف مع صوت مستنسخ وقصة طارئة، لأن كل عنصر قد يعزز شعور الضحية بأن المكالمة حقيقية.
ماذا تفعل إذا أرسلت المال بالفعل؟
إذا اكتشفت أنك وقعت ضحية لمكالمة احتيالية، فمن المهم التصرف بسرعة.
اتصل بالبنك أو بخدمة الدفع المستخدمة، وأبلغ عن العملية واطلب محاولة إيقاف التحويل أو استرداد المبلغ إذا كان ذلك ممكناً.
واحتفظ برقم المتصل، ووقت المكالمة، والرسائل، وإيصالات التحويل، وأي معلومات قد تساعد الجهات المختصة.
ثم قدّم بلاغاً إلى الشرطة أو الجهة المختصة بالجرائم الإلكترونية في بلدك. وإذا شاركت كلمات مرور أو رموز تحقق، فغيّر بيانات الدخول فوراً واتخذ إجراءات تأمين الحسابات.
أسئلة شائعة عن الاحتيال الصوتي بالذكاء الاصطناعي
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليد صوت أي شخص؟
يمكن لبعض الأنظمة تقليد أصوات أشخاص حقيقيين باستخدام تسجيلات صوتية، لكن دقة التقليد تختلف بحسب الأداة وجودة العينة.
هل يمكن اكتشاف الصوت المزيف أثناء المكالمة؟
قد توجد مؤشرات مثل النبرة غير الطبيعية أو التوقفات الغريبة، لكنها ليست وسيلة مضمونة. والأفضل التحقق من هوية المتصل عبر رقم موثوق.
هل مكالمات واتساب آمنة من استنساخ الصوت؟
التشفير يحمي محتوى الاتصال أثناء انتقاله، لكنه لا يثبت أن الشخص الذي يتحدث هو فعلاً صاحب الصوت. فقد يستخدم المحتال صوتاً مستنسخاً عبر أي منصة تسمح بالمكالمات الصوتية.
هل يكفي سؤال المتصل عن معلومة شخصية؟
قد يساعد ذلك، لكن المحتال ربما حصل على معلومات شخصية من مواقع التواصل الاجتماعي. لذلك يبقى الاتصال المستقل بالشخص أكثر موثوقية.
هل يمكن حماية أفراد العائلة من هذه الخدعة؟
يمكن تقليل المخاطر عبر توعيتهم بأساليب الاحتيال، والاتفاق على طريقة تحقق خاصة، وعدم إرسال الأموال استجابةً لمكالمة مفاجئة دون التأكد من هوية المتصل.
الخلاصة: لا تثق بالصوت وحده
أصبح بالإمكان استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليد أصوات أشخاص نعرفهم، ما يجعل بعض المكالمات الاحتيالية أكثر إقناعاً من السابق.
وقد يبدو الصوت مألوفاً، والقصة مؤثرة، والطلب عاجلاً. لكن هذه العناصر لا تكفي لإثبات أن الشخص الحقيقي هو من يتصل.
إذا تلقيت مكالمة تطلب منك المال أو معلومات حساسة، أنهِ الاتصال وتحقق بنفسك من هوية المتصل. فقد تكون مكالمة قصيرة للتحقق كافية لتجنب خسارة مالية كبيرة.