ABtalks.. ساعتان لا تكفيان

في صناعة المحتوى الرقمية، توجد قاعدة تكاد تكون مقدسة: كلما كان المحتوى أقصر، زادت فرص نجاحه.
لقد بنت منصات مثل TikTok وInstagram ,YouTube ,Shorts نماذج أعمالها بالكامل على هذا المبدأ. وأصبح اختصار الوقت هدفاً رئيسياً لكل صانع محتوى يسعى إلى جذب الجمهور والحفاظ على انتباهه.
لكن أنس بوخش قرر أن يسير في الاتجاه المعاكس.
بينما كانت المنصات تكافئ الثواني، كان هو ينتج حلقات تمتد لساعتين وأحياناً أكثر. وبينما كان الخبراء يتحدثون عن تراجع قدرة الجمهور على التركيز، كان ملايين المشاهدين في العالم العربي يمنحون ABtalks ما أصبح المورد الأكثر ندرة في الثروة الرقمية الحديثة: الوقت. وهنا تكمن أهمية الظاهرة. فنجاح ABtalks لا يتعلق بالمشاهدات وحدها، بل بقيمة تلك المشاهدات.

هناك فرق جوهري بين أن يقضي المشاهد ثلاثين ثانية أمام مقطع فيديو، وبين أن يخصص ساعتين كاملتين لمشاهدة مقابلة واحدة. الأول يحقق انتشاراً سريعاً، أما الثاني فيبني علاقة طويلة الأمد مع الجمهور.
وهذه العلاقة تحديداً هي ما نجح أنس بوخش في تحويله إلى أصل إعلامي حقيقي.

سوق الانتباه الرقمي
تقوم المنصات الرقمية اليوم على ما يسميه الخبراء “معركة الانتباه”.
المنافسة لم تعد على المحتوى فقط، بل على وقت المستخدم نفسه.
كل دقيقة يقضيها المشاهد مع منصة أو برنامج تعني دقيقة لم يقضها مع منافس آخر.
من هذا المنظور، تبدو أرقام ABtalks أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى.
فالبرنامج لا ينافس البودكاستات العربية الأخرى فقط، بل ينافس جميع أشكال الترفيه والمحتوى الموجودة على هاتف المستخدم.
وعندما ينجح في إبقاء الجمهور لساعتين أو ثلاث ساعات متواصلة، فإنه يحقق ما تسعى إليه كبرى شركات الإعلام والمنصات الرقمية حول العالم.

ما الذي يجعل النموذج مختلفاً؟
الخطأ الأكثر شيوعاً في تفسير نجاح ABtalks هو اختزاله في قائمة الضيوف.
صحيح أن البرنامج استضاف أسماء بارزة من عالم الأعمال والفن والرياضة والإعلام، لكن الضيوف وحدهم لا يصنعون ظاهرة مستدامة.
لو كان الأمر كذلك، لكانت عشرات البرامج الأخرى حققت النتائج نفسها.
ما يميز النموذج هو قدرته على إنتاج قيمة جديدة من الشخصيات المعروفة.
فالمشاهد لا يدخل الحلقة لمعرفة من هو الضيف، بل لمعرفة ما الذي سيقوله داخل ABtalks تحديداً.
وهذا فرق جوهري.
فالعلامة التجارية للبرنامج أصبحت أقوى من الحلقة نفسها، وأحياناً أقوى من الضيف ذاته.

بناء الثقة بدلاً من مطاردة الترند
في الوقت الذي تعتمد فيه غالبية المنصات على العناوين الصادمة واللقطات المثيرة لزيادة المشاهدات، اختار ABtalks الاستثمار في عنصر أكثر ندرة: الثقة.
الثقة التي تجعل المشاهد يضغط على حلقة طويلة دون تردد.
والثقة التي تجعل الضيف يكشف جوانب من حياته لم يتحدث عنها سابقاً.
والثقة التي تجعل الحلقة قابلة للمشاهدة حتى بعد سنوات من نشرها.
هذه المقاربة رفعت البرنامج من مستوى المحتوى المرتبط بالترند إلى مستوى المحتوى طويل العمر، وهو أحد أكثر الأصول قيمة في الاقتصاد الرقمي.

لماذا تبدو المنافسة أكثر صعوبة اليوم؟
المشكلة التي تواجه المنافسين ليست في الإنتاج أو التمويل أو الوصول إلى الضيوف.
هذه عناصر يمكن شراؤها.
أما ما لا يمكن شراؤه بسهولة فهو الثقة المتراكمة.
لقد أمضى أنس بوخش سنوات في بناء علاقة ثابتة مع جمهوره، حتى أصبح اسم ABtalks بحد ذاته معياراً للجودة.
وهذا ما يجعل دخول منافسين جدد إلى المساحة نفسها أكثر تعقيداً.
فهم لا ينافسون حلقة أو موسماً أو ضيفاً بعينه.
بل ينافسون سنوات من المصداقية والعلاقة المباشرة مع الجمهور.

أكثر من برنامج حواري
اليوم، يصعب النظر إلى ABtalks باعتباره مجرد بودكاست ناجح.
لقد تحول إلى دراسة حالة في كيفية بناء علامة إعلامية قوية في العالم العربي.
والأهم من ذلك أنه أثبت أن الجمهور العربي لا يعاني من نقص في الوقت كما يعتقد كثيرون.
بل يعاني من نقص في المحتوى الذي يستحق هذا الوقت.
وهنا تحديداً تكمن القيمة الحقيقية التي بناها أنس بوخش.
ففي عصر أصبحت فيه الثواني عملة رقمية، نجح ABtalks في تحقيق أمر أكثر ندرة: جعل الملايين مستعدين للدفع من وقتهم لساعات كاملة، حلقة بعد أخرى.

قد يعجبك ايضا