حين تكون الجريمة التي يستند إليها العمل معروفة، تصبح مهمة الدراما أصعب. لا توجد نهاية يمكن إخفاؤها طويلًا، ولا مفاجأة كبرى يمكن التعويل عليها، فيما يبقى خطر السقوط في إعادة تمثيل ما قرأه الجمهور سابقًا في الأخبار حاضرًا طوال الوقت.
هذه تحديدًا كانت معركة «لعبة جهنم»، أولى حكايات «القصة الكاملة»، وهي معركة يخرج منها العمل بمكاسب فنية واضحة، وفي مقدمتها محمد فراج.
الحكاية، التي كتبتها نجلاء الحديني وأخرجها إسلام خيري، لا تتعامل مع القضية الحقيقية باعتبارها «الورقة الرابحة» الوحيدة، وإنما تبحث عما يمكن أن تضيفه الدراما إلى واقعة يعرف المشاهد مسبقًا أنها انتهت بصورة مأساوية.
وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي.
محمد فراج.. شخصية تُبنى ولا تُعرض

يظهر محمد فراج في شخصية الشيخ علاء بصورة قد تدفع في البداية إلى الاعتقاد بأننا أمام أداء قائم على تغيير الشكل: اللحية، الملابس، طريقة الحديث والمظهر الخارجي للرجل.
لكن التفاصيل الشكلية ليست سوى المدخل.
مع تقدم الأحداث، يتضح أن فراج بنى الشخصية على تناقض أكثر أهمية بين الصورة التي يقدم بها علاء نفسه وبين حقيقة تكوينه النفسي.
هو لا يدخل المشهد حاملًا شره أمامه، ولا يتعامل فراج معه باعتباره مجرمًا ينتظر اللحظة المناسبة للكشف عن وجهه الحقيقي. بل نرى رجلًا تتداخل داخله الهشاشة والطمع والخوف والرغبة في النجاة، حتى تصبح الحدود بين كونه واقعًا تحت تأثير اللعبة وبين مشاركته الواعية فيها أكثر تعقيدًا.
وهذه نقطة تحسب للأداء.
فراج لا يطلب التعاطف مع الشخصية، لكنه أيضًا يرفض الحل الأسهل: أن يقدمها ككتلة من الشر.
حتى طريقته في الكلام لا تبدو ثابتة. هناك اختلاف في الإيقاع تبعًا لمن يقف أمامه، وفي مقدار الثقة التي يحاول علاء إظهارها أو يفقدها. الجسد نفسه يدخل في الأداء؛ انكماشه أحيانًا، نظراته، التوتر الذي يظهر ثم يُخفى، كلها تفاصيل تجعل الشخصية أقل استقرارًا مما تريد أن تبدو عليه.
وقد كشف فراج أن التحضير للدور شمل العمل مع إسلام خيري ونجلاء الحديني على حركة الشخصية وطريقة حديثها وسلوكها واتزانها النفسي والعقلي. ما يلفت هنا أن هذا التحضير لم يبقَ كلامًا في كواليس العمل، بل يمكن رؤية أثره على الشاشة.
عمر رزيق اختار الطريق الأصعب
أمام فراج، يقدم عمر رزيق شخصية سليم بأداء مختلف تمامًا.
وهو اختلاف ضروري.
لو حاول رزيق أن ينافس فراج في الانفعال، لخسر جزءًا كبيرًا من خصوصية الشخصية. لكنه يذهب في الاتجاه المعاكس: أداء بارد، مقتصد، وفي أحيان كثيرة مستفز في هدوئه.
سليم لا يبدو كما نتوقع من شخصية تحمل كل هذا الظلام.
وهذا هو الجزء الجيد في الاختيار.
لا يحاول رزيق أن يلفت انتباهنا في كل مشهد إلى أن هناك اضطرابًا خلف وجه الشخصية. يترك المعلومات والأفعال تقوم بالمهمة، بينما يحتفظ هو بدرجة كبيرة من السكون.
وقد يكون هذا الأداء تحديدًا من العناصر التي ستقسم المشاهدين؛ لأن البرود يمكن قراءته أحيانًا باعتباره محدودية في التعبير. لكن داخل طبيعة الشخصية، يؤدي هذا الأسلوب وظيفة مهمة: يجعل من الصعب قراءة سليم، وبالتالي يصعب توقع الحد الذي يمكن أن يصل إليه.
والأهم أن الكيمياء بين فراج ورزيق لا تقوم على التشابه، بل على التضاد.
أحدهما يبدو دائمًا وكأنه يحمل ثقل ما يحدث على جسده، والآخر يتعامل معه بخفة مقلقة.
إسلام خيري يرفض «تجميل» الجريمة
إخراجيًا، أحد أفضل قرارات «لعبة جهنم» هو أن الصورة لا تبدو منشغلة بإبهار المشاهد.
في السنوات الأخيرة، أصبحت بعض أعمال الجريمة شديدة الوعي بجمالياتها: إضاءة مصممة بعناية ظاهرة، كادرات شديدة الأناقة، موسيقى ضخمة، وتصوير يحول المجرم أحيانًا إلى شخصية أكثر جاذبية من ضحيته.
إسلام خيري يبتعد عن ذلك.
الصورة في «لعبة جهنم» ثقيلة، لكنها ليست متباهية بثقلها. الأماكن تبدو مستخدمة وليست مبنية فقط من أجل الكادر، والبيوت تحتفظ بفوضاها وتفاصيلها، فيما لا تتحول العتمة إلى حيلة بصرية تُفرض على كل مشهد.
وهذا مهم جدًا في عمل مستوحى من جريمة حقيقية.
هناك فرق بين أن تصنع صورة جيدة لجريمة، وأن تجعل الجريمة نفسها تبدو جميلة.
«لعبة جهنم» يعرف هذا الفارق.
الكاميرا أقرب إلى الشخصيات مما ينبغي.. وهذا مقصود
هناك شيء غير مريح في الطريقة التي يصور بها العمل بعض شخصياته.
المسافات ليست رحبة دائمًا، والكاميرا تقترب من الوجوه في لحظات كان من الممكن تصويرها بصورة أكثر تقليدية. ومع الأماكن الداخلية الضيقة، يتولد إحساس بأن المشاهد موجود داخل المساحة نفسها ولا يراقبها من الخارج.
هذه ليست حركة إخراجية كبيرة تلفت النظر فورًا، لكنها تتراكم.
وكلما تقدمت الحكاية، يصبح هذا القرب مناسبًا أكثر لعالم فقدت شخصياته تدريجيًا المسافة التي تسمح لها بالتراجع.
لا يقدم خيري المكان بوصفه عنصرًا منفصلًا عن الحدث. الشقة والغرفة والشاشة والهاتف كلها جزء من طريقة سرد الحكاية.
والإنترنت، رغم أهميته في القضية، لا يتحول بصريًا إلى عالم مستقبلي مليء بالمؤثرات والشاشات الطائرة والحلول المعتادة عند تصوير الجرائم الإلكترونية.
وهذا اختيار موفق آخر.
التكنولوجيا هنا عادية جدًا.
وربما لهذا تبدو أكثر خطورة.
ثلاث حلقات.. صيغة ذكية حتى لو لم يكن الإيقاع مثاليًا
من أفضل القرارات الإنتاجية في المشروع تقديم كل قضية في ثلاث حلقات.
«لعبة جهنم» تحديدًا لا يحتمل ثلاثين حلقة، وربما لم يكن يحتمل عشرًا.
القضية مركزة، وعدد الشخصيات التي تحتاج إلى متابعة محدود، والنهاية ليست لغزًا ينبغي تأجيل حله لأسابيع.
لكن قصر العمل لا يعني أن إيقاعه سريع طوال الوقت.
هناك مساحات يتباطأ فيها السرد، وبعض التفاصيل كان من الممكن ضغطها أكثر، خصوصًا في المسافة التي تفصل بين تأسيس الشخصيات والوصول إلى قلب الجريمة.
ومع ذلك، هذا البطء النسبي لا يتحول إلى ترهل يخرج المشاهد من الحكاية.
والأهم أن العمل لا يستهلك القضية في مجموعة من «الكليف هانغر» المصطنعة في نهاية كل حلقة. الثلاث حلقات تبدو أقرب إلى فيلم طويل مقسم إلى فصول منها إلى مسلسل تقليدي جرى اختصاره.
نجلاء الحديني تنجح في أصعب نقطة
التحدي الحقيقي أمام سيناريو مأخوذ من قضية شهيرة ليس نقل الوقائع.
الوقائع موجودة أصلًا.
التحدي هو العثور على الدراما بينها.
نجلاء الحديني تفهم ذلك، ولذلك لا يصبح السيناريو قائمة من الأحداث: حدث هذا، ثم حدث ذلك، ثم وقعت الجريمة.
الاهتمام الأكبر يذهب إلى العلاقة التي تجعل هذه الأحداث ممكنة.
كيف يتعرف شخصان إلى بعضهما؟ كيف تتغير طبيعة العلاقة؟ متى تصبح اللعبة أكثر من لعبة؟ وفي أي نقطة يتوقف الشخص عن كونه متلقيًا ويصبح شريكًا فيما يحدث؟
هذه المسافات هي التي تمنح السيناريو قيمته.
وفي المقابل، يدفع العمل ثمن الحلقات الثلاث في بعض الشخصيات التي كان يمكن الاقتراب منها أكثر، وعلى رأسها سليم. نرى ما يكفي لفهم موقعه داخل الحكاية، لكن ليس دائمًا ما يكفي لفهم تكوينه بالدرجة نفسها التي يمنحها السيناريو لعلاء.
ولهذا يبقى الشيخ علاء الشخصية الأكثر اكتمالًا دراميًا في العمل.
الموسيقى تعرف متى تتراجع
الموسيقى التصويرية واحدة من التفاصيل الجيدة التي قد لا ينتبه إليها المشاهد مباشرة، وهذا في حد ذاته أمر إيجابي.
لا تحاول الموسيقى باستمرار أن تخبرنا بأننا نشاهد شيئًا مرعبًا.
هناك لحظات يسمح فيها العمل للصوت الطبيعي والصمت بأن يحملا التوتر، بدل وضع موسيقى ثقيلة تحت كل مواجهة.
وفي عمل يعرف الجمهور مسبقًا طبيعة جريمته، يصبح هذا الاقتصاد مهمًا.
لأن محاولة صناعة التوتر بالقوة كانت ستؤدي إلى نتيجة عكسية.
الحكاية نفسها ثقيلة بما يكفي.
أين ينجح «لعبة جهنم» فعلًا؟
ليس في صدمة الجريمة.
فالصدمة موجودة قبل المسلسل.
وليس في كون الأحداث حقيقية.
فهذه ميزة تسويقية أكثر منها حكمًا فنيًا.
نجاح «لعبة جهنم» الحقيقي يظهر عندما ننسى للحظات أننا نشاهد إعادة تقديم لقضية قرأنا عنها من قبل، ونبدأ في التعامل مع علاء وسليم باعتبارهما شخصيتين داخل عمل درامي.
محمد فراج هو الرابح الأكبر من هذه المعادلة؛ ليس لأنه يقدم الأداء الأعلى صوتًا، وإنما لأنه يعرف أن شخصية مثل علاء يمكن إفسادها بسهولة إذا لعبها باعتبارها «دور مجرم».
وإسلام خيري بدوره يتعامل مع المادة بحذر بصري واضح. لا يصنع من العنف فرجة، ولا يمنح عالم الجريمة إغراءً بصريًا، ولا يطارد لقطة جميلة على حساب طبيعة ما يصوره.
أما نجلاء الحديني فتنجح في إعطاء الواقعة هيكلًا دراميًا بدل الاكتفاء بإعادة ترتيب تفاصيلها.
ليس كل شيء كاملًا. بعض المساحات النفسية كان يمكن أن تكون أوسع، وبعض المقاطع أكثر إحكامًا في الإيقاع.
لكن هذه الملاحظات لا تغير الانطباع الأهم:
«لعبة جهنم» لم ينجح لأن الجريمة التي يرويها صادمة، بل لأنه في أفضل لحظاته يعرف متى يتوقف عن رواية الجريمة ويبدأ في صناعة الدراما.