مشاهير

كلودين صعب.. المرأة التي تعرف جيداً متى تتقدم إلى الضوء ومتى تتركه للفستان

في عالم إيلي صعب، كل شيء يبدأ من التفاصيل. تطريزة لا تُرى من بعيد، حركة قماش تتغير مع الخطوة، أو لون لا يكشف عن عمقه إلا تحت الضوء. وربما لهذا تبدو كلودين صعب منسجمة تماماً مع هذا العالم؛ حضورها لا يقوم على المبالغة، ولا يحتاج إليها.

على مدى أكثر من ثلاثة عقود، رافقت المصمم اللبناني في حياة أخذته من بيروت إلى باريس، ومن مشغل يحمل أحلام مصمم شاب إلى واحدة من أشهر دور الأزياء العربية عالمياً. كانت موجودة قبل كثير من اللحظات التي أصبحت لاحقاً جزءاً من تاريخ الدار، لكنها لم تحاول يوماً أن تجعل من قربها من الموضة مهنة أخرى.

كلودين ليست مصممة، ولا تحاول أن تكون. وليست شخصية اجتماعية تبني حضورها على اسم زوجها. هي ببساطة امرأة وجدت نفسها تعيش في قلب الهوت كوتور، ثم احتفظت، على نحو لافت، بحياتها الخاصة خارجه.

لقاء كان لا بد أن يبدأ بالموضة

ثمة شيء سينمائي في أن تبدأ قصة كلودين وإيلي صعب بفستان، حتى لو لم تكن اللحظة مصممة لتكون كذلك.

كانت والدتها ترتدي تصميماً من إيلي صعب عندما رافقتها كلودين وشقيقتها إلى المصمم. هناك التقيا للمرة الأولى، وبعد نحو ثلاث سنوات أصبح اللقاء زواجاً. وفي عام 1990، أقاما حفلاً صغيراً بحضور العائلة وعدد محدود من الأصدقاء.

في ذلك الوقت، كان إيلي قد بدأ بالفعل في صناعة اسمه، لكن المسافة بين المصمم اللبناني الشاب وإيلي صعب الذي ستعرفه السجادة الحمراء لاحقاً كانت لا تزال طويلة.

كلودين عرفت النسخة الأولى.

عرفت سنوات العمل والسفر والتوسع قبل أن تصبح النتيجة التي نراها اليوم أمراً بديهياً، وحين تتحدث عن تلك المرحلة لا تحاول إعادة كتابتها بطريقة أكثر بريقاً. تقول إنها رأت فيه منذ البداية مشروع مصمم عالمي، وآمنت بخطوات توسعه، وشاهدت أحلامه تكبر وتتحقق.

امرأة تعيش مع الموضة من دون أن تطاردها

أن تكوني زوجة إيلي صعب يعني، نظرياً على الأقل، أن خزانة الملابس يمكن أن تصبح موضوعاً قائماً بذاته.

لكن المثير في كلودين هو أن علاقتها بالأزياء لا تبدو كعلاقة امرأة تسعى خلف الـIt Piece التالية. على العكس، هناك استقرار واضح في الطريقة التي ترتدي بها الملابس: خطوط أنثوية، فساتين طويلة، تطريز عندما يستدعي المكان ذلك، وقليل جداً من المحاولات لإثبات أنها تتابع كل صيحة جديدة.

وبالطبع، هناك امتياز يصعب منافسته: زوجها يصمم لها.

تحدث إيلي صعب منذ سنوات عن تصميمه لزوجته، وقال إنه يفاجئها أحياناً بفستان لم تطلبه منه. وهي فكرة تكشف جانباً أكثر حميمية في علاقتهما بالموضة؛ فالفستان هنا لا يبدأ من طلب عميلة أو مناسبة عامة، بل من معرفة المصمم بالمرأة التي سيرتدي التصميم جسدها.

لذلك تبدو كلودين، في كثير من إطلالاتها، أقل انشغالاً بإظهار الفستان وأكثر راحة داخله. وهي ربما أفضل علاقة يمكن أن تربط امرأة بالهوت كوتور.

ليست «المرأة خلف الرجل»

هناك إغراء دائم في اختصار زوجات الرجال الناجحين بعبارة «المرأة وراء نجاحه». تبدو جميلة، لكنها في حالة كلودين صعب لا تقول الكثير.

علاقتهما أكثر وضوحاً من ذلك.

في مقابلة مبكرة، قال إيلي إن كلودين لا تتدخل في عمله الإبداعي، وإن وجودها إلى جانبه وتفهمها لطبيعة حياته ينعكسان على عمله، لكنه وضع دورها كأم في مكانة أهم. وبعد سنوات، تحدثت كلودين بدورها عن دعمها لطموحه وعن المسؤولية الكبيرة التي حملتها في المنزل خلال فترات سفره وانشغاله.

أنجبا ثلاثة أبناء: إيلي جونيور وسيليو وميشال. وبينما كان إيلي يبني الدار ويسافر باستمرار، كانت كلودين تدير الجزء الآخر من المعادلة.

قالت إنها اضطرت أحياناً إلى اتخاذ القرارات الصعبة في تربية أبنائها، لكنها حرصت في الوقت نفسه على ألا يشعروا بأن والدهم غائب عن حياتهم. حتى عندما كان بعيداً، كانت تستحضر حضوره في تفاصيل المنزل وقراراته.

إنه عمل أقل بريقاً بكثير من تصميم فستان هوت كوتور، لكنه ربما يفسر لماذا يتحدث إيلي صعب اليوم عن الحب والاستقرار والعائلة باعتبارها ركائز أساسية في حياته.

في أناقتها شيء من فلسفة الدار

يصعب فصل كلودين بصرياً عن عالم إيلي صعب، لكن هذا لا يعني أنها نسخة منه.

فساتين الدار معروفة بقدرتها على احتلال المكان: التطريز، الضوء، الشيفون، الأحجام المدروسة، وتلك الفخامة التي لا تحاول أن تكون Minimalist. ومع ذلك، عندما ترتديها كلودين، غالباً ما تخفف بقية العناصر.

لا تحتاج الإطلالة إلى منافسة بين الفستان والمجوهرات والشعر والمكياج. هناك عادة عنصر واحد يتقدم، والبقية تعرف مكانها.

وفي المناسبات العائلية تحديداً، تصبح هذه العلاقة أكثر وضوحاً. فهي ترتدي ما يليق بوالدة العريس أو جدة العائلة، من دون محاولة انتزاع مركز الصورة. إنها مهارة في الأناقة لا علاقة لها بسعر الفستان: معرفة متى يكون الحضور كافياً.

وربما لهذا لا تبدو صورها مؤرخة بسهولة. ليست هناك رغبة ملحّة في إخبارنا بأي موسم تنتمي الإطلالة.

العائلة أولاً… حتى داخل إمبراطورية أزياء

إذا كان هناك خيط واحد يتكرر كلما تحدثت كلودين عن حياتها، فهو العائلة.

حين تزوج ابنها الأكبر إيلي جونيور من كريستينا مراد، لم تقدم لهما وصية طويلة عن الزواج. اختارت كلمة واحدة: الاحترام، وقالت إنه الأساس الذي قام عليه زواجها هي وإيلي.

أما علاقتها بكريستينا، فتتحدث عنها بلغة تكشف شيئاً آخر في شخصيتها. وصفتها بأنها الابنة التي لم تنجبها، وقالت إنها وجدت فيها شبهاً يتجاوز الملامح إلى الطبع والبساطة وطريقة التفكير. ومع ولادة صوفيا، دخلت كلودين مرحلة جديدة: الجدة التي قالت إن مهمتها أن تحب حفيدتها من دون أن تسمح لهذا الحب بأن يتدخل في طريقة والديها في تربيتها.

تفصيل صغير، لكنه يقول الكثير.

هناك لدى كلودين ميل واضح إلى القرب من دون الاستحواذ، وإلى الحضور من دون إلغاء مساحة الآخر. وهو المبدأ نفسه تقريباً الذي تصف به علاقتها بزوجها وأولادها.

إيلي وكلودين.. الاختلاف الذي بقي

لا تحاول كلودين تقديم زواجها كاتحاد بين شخصين متشابهين.

هي، بحسب وصفها، أكثر واقعية في الحكم على الناس. إيلي أكثر ميلاً إلى رؤية الجانب الإيجابي فيهم. هو الأب الذي يعامل أبناءه كأصدقاء ولا يميل إلى القسوة، فيما كانت هي مضطرة أحياناً إلى لعب دور الطرف الأكثر حزماً.

وحتى في التعبير عن الحب، تختلف اللغة.

تصف زوجها بأنه عقلاني ومتفهّم، لكنه ليس الرجل الذي يشرح مشاعره باستمرار؛ أفعاله، كما قالت، تتولى المهمة بدلاً عنه.

ربما لهذا تبدو كلمة «الاحترام» التي تستخدمها للحديث عن الزواج أكثر دقة من العبارات الرومانسية الجاهزة. بعد أكثر من ثلاثة عقود، لا تتحدث عن سر سحري لاستمرار العلاقة. تتحدث عن مساحة، وتفاهم، وعائلة، وشخصين لم يكن مطلوباً من أحدهما أن يصبح نسخة عن الآخر.

جيل جديد يحمل الاسم

اليوم، تبدو عائلة صعب مختلفة تماماً عن تلك التي بدأت عام 1990.

الأبناء الذين كبروا بين سفر والدهم وعروضه ومشغله أصبحوا جزءاً من عالم الاسم نفسه. إيلي جونيور دخل الجانب الإداري والتجاري للدار، فيما تحدث إيلي صعب عن أن دخول أبنائه عالم الأزياء لم يكن خطة رسمها لهم مسبقاً، بل نتيجة طبيعية لنشأتهم داخل هذا المحيط. كما خصّ كلودين بإشادة واضحة لدورها في تربيتهم وفي جعلهم يتفهمون غيابه المرتبط بالعمل.

وفي السنوات الأخيرة، اتسعت الصورة أكثر: زواج الأبناء، الأحفاد، والمناسبات العائلية التي أصبحت تجذب اهتمام صحافة الموضة بقدر ما تفعل عروض الدار أحياناً.

بالنسبة إلى كلودين، ربما يكون هذا التحول أكثر إثارة من أي مجموعة جديدة.

لقد شاهدت اسم صعب ينتقل من الزوج إلى الأبناء، ومن عائلة صغيرة إلى جيل آخر بدأ يكتب علاقته الخاصة بالإرث.

كلودين صعب خارج الكادر

أكثر ما يلفت في كلودين صعب، في النهاية، هو ما لم تفعله.

لم تحول نفسها إلى علامة تجارية. لم تجعل زواجها مادة يومية. لم تحاول أن تكون المصممة الثانية في الدار، ولم يكن عليها أن تصبح نجمة مواقع التواصل كي تثبت أنها موجودة.

ورغم ذلك، لا يمكن سرد قصة العائلة من دونها.

حين تحدث إيلي صعب أخيراً عن زوجته بعد عقود من الزواج، لم يكن الحديث عن فستان ارتدته أو عرض جلست في صفه الأول، بل عن شراكة طويلة وعن الاستقرار الذي منحته له العائلة.

وهنا ربما تكمن أناقة كلودين الحقيقية.

ليست فقط في فساتين صُممت خصيصاً لها، ولا في المجوهرات أو الصور القادمة من حفلات العائلة. إنها في قدرتها على العيش لعقود بمحاذاة عالم شديد الولع بالضوء، من دون أن تفقد إحساسها بالمسافة.

ففي بيت يعرف جيداً كيف يصنع الفساتين التي تخطف الأنظار، اختارت كلودين صعب شيئاً أكثر ندرة: أن يكون حضورها واضحاً من دون أن تطلب من الضوء أن يتبعها.