بين البحر والسينما، تفتح الغردقة مساء اليوم فصلاً جديداً من مهرجانها السينمائي، مع انطلاق الدورة الرابعة من مهرجان الغردقة لسينما الشباب، التي تستمر من 10 حتى 15 سبتمبر 2026، وتجمع هذا العام أفلاماً مصرية وعربية وأجنبية، إلى جانب أسماء معروفة من نجوم وصناع السينما.
لكن الدورة الجديدة لا تراهن على بريق النجوم وحده. فمن فيلم افتتاح لأحمد الفيشاوي، إلى تكريم شيري عادل وشيكو ومصطفى خاطر وحمادة هلال، وعرض أفلام أخرجها كريم عبدالعزيز قبل نجوميته، وصولاً إلى منافسة 58 فيلماً على جوائز المهرجان، يبدو البرنامج أقرب إلى حوار بين جيل صنع جزءاً من ذاكرة السينما وآخر يحاول كتابة فصله الأول فيها.
«الحريف» يعود إلى الغردقة بعد 40 عاماً
الصورة التي اختارتها الدورة الرابعة لنفسها ليست عابرة.
فالمهرجان يحتفي هذا العام بمرور 10 سنوات على رحيل المخرج محمد خان، واختار بوستر فيلمه الشهير «الحريف» ليكون شعاراً للدورة. الفيلم الذي عُرض عام 1984 وبقي واحداً من العلامات البارزة في مسيرة خان، يعود هنا بوصفه جزءاً من ذاكرة سينمائية يريد المهرجان وضعها أمام جيل جديد.
ويأخذ التكريم بعداً آخر في حفل الافتتاح، من خلال تحية إلى الموسيقار الراحل هاني شنودة، مع تقديم مختارات من موسيقاه السينمائية، بينها «الحريف»، و«المشبوه»، و«شمس الزناتي»، و«لا عزاء للسيدات»، و«عصابة حمادة وتوتو» و«الأفوكاتو».
شيري عادل وشيكو ومصطفى خاطر.. تكريم تجارب صنعت طريقها بطريقتها
على منصة التكريم، اختار المهرجان ثلاثة أسماء تنتمي إلى تجارب مختلفة: شيري عادل وشيكو ومصطفى خاطر.
بالنسبة إلى شيري عادل، يأتي التكريم بعد مسيرة بدأت في سن مبكرة واستمرت بين السينما والدراما والمسرح والإذاعة. وبحسب إدارة المهرجان، تضم مسيرتها ما يقارب 15 فيلماً ونحو 40 عملاً درامياً. وكانت شيري قد شاركت قبل الافتتاح صوراً جديدة لها من الغردقة، بالتزامن مع استعدادها للتكريم مساء اليوم.
أما شيكو، فيأتي تكريمه عن تجربة لم تتوقف عند التمثيل، بل امتدت إلى الكتابة وصناعة الكوميديا، منذ الأعمال التي جمعته بهشام ماجد وأحمد فهمي، وصولاً إلى تجاربه اللاحقة وثنائيته المستمرة مع هشام ماجد.
ويكتمل الثلاثي بـمصطفى خاطر، الذي اختاره المهرجان باعتباره من الفنانين الذين تنقلوا بين أشكال مختلفة من الأدوار والتجارب السينمائية، القصيرة والطويلة.
حمادة هلال.. أول «صوت للسينما»
أما حمادة هلال، فيحمل تكريمه عنواناً مختلفاً.
الدورة الرابعة تطلق قسماً جديداً باسم «صوت السينما»، مخصصاً للمطربين الذين لم تبق أصواتهم خارج الشاشة، بل دخلوا السينما ممثلين ومغنين. واختير حمادة هلال ليكون أول مكرم في هذا القسم.
الاختيار يعيد إلى الذاكرة جانباً ربما تراجع أمام نجاحاته التلفزيونية الأخيرة؛ فهلال يمتلك رصيداً سينمائياً يتجاوز ثمانية أفلام، من بينها «عيال حبيبة»، و«حلم العمر»، و«الحب كده»، و«أمن دولت»، و«حماتي بتحبني» و«شنطة حمزة». ومن المقرر أن يعقد المهرجان صباح اليوم الثاني ندوة يتحدث خلالها عن تجربته مع السينما.
أحمد الفيشاوي يفتتح الدورة بـ«أحياء أم أموات»
بعد التكريمات، تنتقل الليلة إلى الشاشة.
اختارت إدارة المهرجان الفيلم الروائي القصير «أحياء أم أموات» ليكون فيلم افتتاح الدورة الرابعة، في عرضه العالمي الأول. الفيلم من بطولة أحمد الفيشاوي وجيهان خيري، وتأليف وإخراج آدم حال، وتبلغ مدته نحو 14 دقيقة.
بعيداً عن قالب الفيلم الطويل المعتاد في الافتتاحات، يناقش العمل أثر التكنولوجيا في العلاقات الإنسانية، من خلال زوجين تصل علاقتهما إلى حالة من الجمود والتباعد، بينما تصبح التكنولوجيا جزءاً من المسافة التي تفصل بينهما.
كريم عبدالعزيز.. هذه المرة خلف الكاميرا
واحدة من أجمل مفاجآت البرنامج لا تتعلق بفيلم جديد، بل بفيلمين قديمين يعيدان الجمهور إلى بداية كريم عبدالعزيز، قبل أن يصبح واحداً من أكبر نجوم شباك التذاكر في مصر.
فالمهرجان يواصل برنامجه المخصص لاستعادة مشاريع تخرج كبار الفنانين والمخرجين، ويعرض في هذه الدورة فيلمين أخرجهما كريم عبدالعزيز، خريج قسم الإخراج في المعهد العالي للسينما عام 1997.
الأول هو «الثقب العالي»، بطولة سيد عبدالكريم وعلاء خميس، عن قصة لمحمد عبدالرحمن وسيناريو تامر حبيب.
أما الثاني فهو مشروع تخرجه «لوحة من لحم»، بطولة إيهاب فهمي وميرنا وليد والفنان السعودي خالد الحربي، وسيناريو علي شوقي. ويتناول العمل تحديات الشباب في مواجهة المستقبل.
والاختيار يحمل شيئاً من جوهر المهرجان نفسه: أن يرى صانع الفيلم الشاب أن النجم الذي يعرفه اليوم بدأ هو الآخر بمشروع تخرج وكاميرا وتجربة تبحث عن طريقها.
«تروما» يبدأ رحلته من الغردقة
في مسابقة الأفلام الطويلة، تتجه الأنظار مصرياً إلى فيلم «تروما» (TRAUMA) للمخرج حاتم قناوي، الذي يشهد في مهرجان الغردقة عرضه العالمي الأول.
الفيلم واحد من 9 أعمال تتنافس في المسابقة الرسمية الطويلة، إلى جانب أفلام عربية ودولية من بينها «خيط الروح» للجزائري يوسف محساس، و«قلم حبر قيمته 87 روبية» للمخرج الهندي رافي نيبالكمار، والفيلم البرازيلي «لا أستطيع ذكر هذا الاسم» للمخرج هيلفيسو راتون.
ويرأس لجنة التحكيم الكاتب والممثل والمخرج الإنجليزي البروفيسور لويد بيترز، بمشاركة المخرج مجدي أحمد علي والفنانة عبير صبري، إلى جانب نبيل الفيلكاوي والمخرج والمنتج الأوزبكستاني سعيد تولياجانوف.
58 فيلماً.. والمنافسة أكبر من السجادة الحمراء
خلف صور النجوم وحفل الافتتاح، هناك رقم يلخص حجم الدورة: 58 فيلماً تتنافس على جوائز المهرجان.
إلى جانب الأفلام الطويلة التسعة، تضم مسابقة الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة 27 فيلماً من 17 دولة، بينها أعمال من مصر والعراق وروسيا والصين.
أما المسابقة الدولية لأفلام الطلبة فتضم 22 فيلماً؛ 11 منها مصرية، و11 عربية وأجنبية تمثل دولاً بينها تركيا والهند والبرازيل وألمانيا والعراق وروسيا ونيجيريا.
وهناك أيضاً «الجائزة الخضراء» التي يمنحها المهرجان للفيلم الداعم للسياحة البيئية، في محاولة لربط السينما بالمكان الذي يستضيفها؛ مدينة تعتمد صورتها وهويتها إلى حد كبير على البحر والطبيعة والسياحة.
الغردقة بين جيلين من السينما
ربما يكون أجمل ما في برنامج الدورة الرابعة أنه لا يتعامل مع «سينما الشباب» باعتبارها عالماً منفصلاً عن تاريخ السينما المصرية.
محمد خان حاضر عبر «الحريف»، وهاني شنودة عبر موسيقاه، وكريم عبدالعزيز يعود إلى الشاشة كمخرج شاب كان لا يزال في المعهد، بينما يعرض مخرجون شباب أفلامهم الأولى إلى جانب أعمال من 17 دولة.
وفي الجهة الأخرى، تأتي أسماء مثل شيري عادل وشيكو ومصطفى خاطر وحمادة هلال لتقف في منتصف المسافة تقريباً؛ نجوم لديهم مسيرة يعرفها الجمهور، لكنهم ما زالوا جزءاً من سينما معاصرة تتغير باستمرار.
لهذا تبدو الدورة الرابعة أكبر من مجرد ستة أيام من العروض. من 10 إلى 15 سبتمبر، تحاول الغردقة أن تجمع على شاشة واحدة ما تتذكره السينما، وما تعيشه الآن، وما قد تصبح عليه لاحقاً.