تتحدث مع صديق عن السفر إلى دبي، وبعد ساعات تظهر أمامك إعلانات عن فنادق وتذاكر طيران. أو تخبر أحد أفراد عائلتك بأنك تفكر في شراء سيارة، لتجد صفحات التواصل الاجتماعي تعرض عليك سيارات من مختلف العلامات التجارية.
تتكرر هذه المواقف مع كثيرين، حتى أصبح السؤال شائعاً: هل يستمع الهاتف إلى محادثاتنا ليعرف ما نريد شراءه؟
قد يبدو الأمر أشبه بالتجسس، لكن الحقيقة أن شركات الإعلان لا تحتاج بالضرورة إلى سماع محادثاتك لتعرف اهتماماتك. فكل عملية بحث، وكل موقع تزوره، وحتى بعض المقاطع التي تشاهدها، قد تمنح الخوارزميات معلومات تساعدها على توقع ما قد ترغب في شرائه.
هل يتنصت الهاتف على محادثاتك؟
لا توجد أدلة موثوقة تثبت أن منصات الإعلان الكبرى تستمع سراً وبصورة مستمرة إلى محادثات المستخدمين بهدف عرض الإعلانات.
وتؤكد شركات مثل غوغل أنها لا تستخدم المكالمات الهاتفية الشخصية لتحديد الإعلانات التي تظهر للمستخدمين.
لكن هذا لا يعني أن التطبيقات لا تستطيع الوصول إلى الميكروفون. فبعضها يحتاج إليه لتسجيل الصوت أو إجراء المكالمات، وقد تحاول تطبيقات خبيثة إساءة استخدام هذه الصلاحية.
والأهم أن ظهور إعلان عن موضوع تحدثت عنه لا يكفي لإثبات أن هاتفك كان يستمع إليك.
كيف تعرف الإعلانات ما الذي يهمك؟
لنفترض أنك شاهدت مقطعاً عن ديكور المنازل، ثم دخلت إلى موقع لبيع الأثاث، وتصفحت بعض صور غرف المعيشة.
حتى لو لم تشترِ شيئاً، فقد تستنتج أنظمة الإعلان أنك مهتم بالأثاث. وعندما تتحدث لاحقاً مع صديق عن شراء أريكة جديدة، ثم يظهر لك إعلان عنها، قد تعتقد أن الهاتف سمع حديثك.
لكن في الواقع، ربما كانت المواقع التي زرتها كافية لتوقع اهتمامك.
وتعتمد الإعلانات المخصصة على معلومات متعددة، منها سجل البحث، والمواقع والتطبيقات التي تتفاعل معها، والمقاطع التي تشاهدها، وبعض بيانات الموقع الجغرافي والاهتمامات المتوقعة.
لماذا يلاحقك إعلان المنتج نفسه أينما ذهبت؟
هل سبق أن شاهدت حذاءً في متجر إلكتروني، ثم وجدت صورته تظهر أمامك على إنستغرام أو أثناء تصفح موقع آخر؟
هذا ليس بالضرورة مصادفة.
تستخدم بعض الشركات تقنية تُعرف باسم إعادة الاستهداف الإعلاني، وهي تسمح للمعلنين بعرض منتجاتهم مجدداً على أشخاص سبق لهم زيارة مواقعهم أو التفاعل معها.
ولهذا قد يستمر ظهور إعلان عن منتج شاهدته لدقائق، حتى لو أغلقت الموقع ولم تفكر في شرائه مرة أخرى.
هل يمكن أن تظهر لك إعلانات بسبب شخص يعيش معك؟
قد تلاحظ أحياناً ظهور إعلان عن منتج بحث عنه زوجك أو أحد أصدقائك، رغم أنك لم تبحث عنه بنفسك.
يمكن لأنظمة الإعلان استخدام إشارات مشتركة، مثل الموقع التقريبي والاهتمامات المتشابهة، للوصول إلى أشخاص يُحتمل اهتمامهم بالمنتج نفسه.
فإذا كنت تعيش مع شخص يبحث باستمرار عن مستلزمات الأطفال، فقد تظهر لك إعلانات مشابهة لأسباب تتعلق بالاستهداف الإعلاني أو الاهتمامات المشتركة.
لكن لا يمكن الجزم بأن ظهور الإعلان سببه نشاط ذلك الشخص تحديداً؛ فقد تكون هناك عوامل أخرى أو مجرد مصادفة.
لماذا تشعر أحياناً بأن هاتفك يقرأ أفكارك؟
هناك تفسير نفسي يجعل الإعلانات تبدو أحياناً أكثر دقة مما هي عليه.
فنحن نشاهد عشرات الإعلانات يومياً دون أن ننتبه إلى معظمها. لكن عندما يظهر إعلان عن موضوع تحدثنا عنه قبل ساعات، نتوقف عنده ونتذكره.
مثلاً، إذا تحدثت عن شراء سيارة كهربائية، فقد تبدأ بملاحظة إعلانات السيارات الكهربائية أكثر من السابق، حتى لو كانت تظهر لك بالفعل.
وتُعرف إحدى الظواهر المرتبطة بذلك باسم «وهم التكرار»، عندما يصبح الإنسان أكثر انتباهاً إلى شيء معين بعد التفكير فيه أو سماع اسمه.
وهكذا، قد يجتمع التتبع الإعلاني الحقيقي مع طريقة انتباهنا للأشياء، ليبدو الأمر وكأن الهاتف يعرف كل ما نقوله.
هل حدث أن ادعت شركة قدرتها على الاستماع للمحادثات؟
أثارت شركة أميركية تُدعى Cox Media Group جدلاً بعدما روّجت لخدمة إعلانية زعمت قدرتها على الاستفادة من المحادثات التي تدور قرب الأجهزة الذكية.
وفي عام 2026، أعلنت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية اتخاذ إجراءات ضد الشركة وجهات أخرى بسبب ادعاءات مضللة تتعلق بهذه الخدمة.
لكن التحقيق خلص إلى أن الخدمة لم تكن تعتمد فعلياً على تسجيل المحادثات، بل على بيانات تسويقية أخرى، منها قوائم البريد الإلكتروني.
وتوضح هذه القضية أن الترويج لفكرة التنصت لا يعني بالضرورة أن الشركات تمتلك بالفعل التقنية التي تدعي استخدامها.
كيف تمنع الإعلانات من تتبع اهتماماتك؟
إذا كنت تشعر بأن الإعلانات تعرف عنك أكثر مما ينبغي، يمكنك تقليل المعلومات المستخدمة لتخصيصها.
ابدأ بمراجعة إعدادات الإعلانات في حساب غوغل عبر مركز إدارة الإعلانات، حيث يمكنك التحكم في بعض الاهتمامات المستخدمة لعرض الإعلانات.
وفي فيسبوك وإنستغرام، يمكنك الدخول إلى مركز الحسابات ومراجعة تفضيلات الإعلانات والمعلومات التي قد تصل إلى ميتا من مواقع وتطبيقات أخرى.
ومن المهم أيضاً مراجعة صلاحيات التطبيقات على هاتفك، خصوصاً الوصول إلى الميكروفون والموقع الجغرافي، وإلغاء أي صلاحية لا يحتاج إليها التطبيق.
لكن تذكّر أن إيقاف تخصيص الإعلانات لا يعني اختفاءها تماماً، بل قد تستمر في الظهور اعتماداً على محتوى الصفحة أو الموقع التقريبي أو عوامل عامة أخرى.
هل إغلاق الميكروفون يحل المشكلة؟
ليس بالضرورة، لأن معظم تقنيات تخصيص الإعلانات لا تحتاج أصلاً إلى الميكروفون.
فحتى لو منعت جميع التطبيقات من الوصول إليه، يمكن لبعض المنصات الاستمرار في عرض إعلانات مرتبطة بعمليات البحث والمواقع التي تزورها، وفق إعدادات الخصوصية.
لذلك، إذا كنت ترغب في تقليل التتبع، فمن الأفضل مراجعة إعدادات الخصوصية والإعلانات، وليس الاكتفاء بإغلاق الميكروفون.
هل هاتفك يتنصت عليك أم أن الخوارزميات أصبحت أذكى؟
قد يكون ظهور إعلان عن موضوع تحدثت عنه مجرد مصادفة، وقد يكون نتيجة بيانات جمعتها المواقع والتطبيقات عن اهتماماتك خلال الأيام الماضية.
وفي الحالتين، لا تحتاج أنظمة الإعلان إلى معرفة كل كلمة تقولها حتى تتوقع ما قد ترغب في شرائه.
فكلما زادت المعلومات المتاحة عن نشاطك الرقمي، أصبحت الإعلانات أكثر قدرة على الوصول إلى اهتماماتك، وأحياناً قبل أن تبحث عن المنتج بصورة مباشرة.
ولهذا، قد لا يكون السؤال الأهم: هل يسمعني هاتفي؟ بل: كم يعرف عني بالفعل من دون أن يسمعني؟