مجتمع

هل تخاف أن تفرح لأن شيئاً سيئاً سيحدث؟ السر وراء الشعور بأن السعادة لا تدوم

هل سبق أن شعرت بسعادة كبيرة، ثم وجدت نفسك تفكر فجأة: «أكيد رح يصير شي سيئ»؟

ربما تلقيت خبراً جميلاً، أو حققت شيئاً انتظرته طويلاً، أو مررت بفترة هادئة خالية من المشكلات. لكن بدلاً من الاستمتاع، يبدأ القلق بالتسلل إليك، وكأن كل لحظة سعيدة يجب أن يعقبها حدث مؤلم.

والأغرب أنك قد تشعر بالارتياح عندما تكون منشغلاً بمشكلة، بينما يثير الهدوء داخلك شعوراً غامضاً بالخطر.

فلماذا يخاف بعض الأشخاص من السعادة؟ ولماذا يبدو انتظار المصيبة أحياناً أسهل من تصديق أن الأمور تسير على ما يرام؟

عندما يصبح الهدوء نفسه مصدراً للقلق

قد يكون كل شيء جيداً في حياتك، ومع ذلك تشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً، أو أن حدثاً سيئاً يقترب.

تراجع هاتفك أكثر من مرة للاطمئنان إلى عائلتك، وتتخيل أسوأ الاحتمالات عندما يتأخر شخص عن الرد، وقد تتردد في الحديث عن أخبارك السعيدة خوفاً من أن تتغير الأمور.

في علم النفس، قد يرتبط هذا النمط بما يُعرف بالقلق التوقعي، عندما ينشغل العقل بمخاطر مستقبلية لم تحدث بعد.

والمشكلة أن هذا القلق لا يحتاج دائماً إلى سبب واضح. فقد يكون اليوم هادئاً تماماً، لكن العقل يستمر في البحث عن شيء يستدعي الخوف.

لماذا تشعر أن الفرح لا بد أن يتبعه حزن؟

Leftovers, the Unsung Food Porn of Art History

هناك أشخاص يجدون صعوبة في الاستمتاع باللحظات الجميلة، ليس لأنهم لا يريدون السعادة، بل لأنهم يخافون مما قد يأتي بعدها.

فقد يعتقد أحدهم أن الفرح المبالغ فيه يجلب الحزن، أو أن الاطمئنان يجعل الإنسان أقل استعداداً للمصائب.

ويُستخدم مصطلح «الخوف من السعادة» أو Cherophobia أحياناً لوصف تجنب الفرح بسبب الاعتقاد بأنه قد يؤدي إلى نتائج سلبية. لكنه ليس تشخيصاً نفسياً مستقلاً.

وفي بعض الحالات، قد يحاول الشخص التقليل من فرحته حتى لا يشعر بصدمة كبيرة إذا حدث شيء مؤلم لاحقاً.

لكن هذه المحاولة لا تمنع الأحداث السيئة. إنها فقط تجعل اللحظات السعيدة تمر دون أن يعيشها بالكامل.

هل تجارب الماضي تجعلنا نخاف من الأيام الجميلة؟

تخيل شخصاً اعتاد أن يعيش في بيئة تتغير فيها الأمور فجأة؛ يوم هادئ يعقبه خلاف عائلي، أو فترة استقرار تنتهي بخسارة غير متوقعة.

مع تكرار هذه التجارب، قد يتعلم العقل أن الهدوء ليس دائماً علامة أمان، وأن عليه البقاء مستعداً لأي تغيير.

ولهذا قد يجد بعض الأشخاص الذين مروا بتجارب صعبة أنفسهم في حالة حذر مستمر، حتى بعدما تتحسن ظروفهم.

ويُعرف أحد الأنماط المرتبطة بذلك باسم «فرط اليقظة»، وهو الانتباه الزائد إلى أي إشارة محتملة للخطر.

لكن ليس كل من يتوقع الأسوأ قد مر بصدمة نفسية؛ فالقلق قد ينشأ أيضاً من ضغوط الحياة أو أنماط التفكير المكتسبة أو عوامل أخرى.

هل تتوقع الأسوأ حتى لا تتفاجأ به؟

Severe Weather Shifts East: Weekend Forecast & Impacts | Ryan Hall, Y'all

قد يبدو توقع المصائب وسيلة للاستعداد لها.

فإذا أقنعت نفسك بأن الأمور لن تسير جيداً، ربما تعتقد أنك ستشعر بخيبة أمل أقل عندما يحدث ما تخشاه.

لكن الدراسات النفسية تشير إلى أن القلق المستمر لا يمنح الإنسان بالضرورة قدرة أفضل على التعامل مع المستقبل.

بل قد يجعله يعيش التجربة المؤلمة في خياله مرات عديدة، حتى لو لم تحدث في الواقع.

وهنا يظهر «التفكير الكارثي»، عندما يقفز العقل من احتمال بسيط إلى أسوأ نتيجة ممكنة.

فقد يتحول تأخر أحد أفراد العائلة في العودة إلى المنزل إلى تصور وقوع حادث، أو تتحول ملاحظة من المدير إلى خوف من فقدان الوظيفة.

ومع تكرار هذا النمط، قد يصبح توقع الأسوأ رد فعل تلقائياً.

لماذا لا تستطيع الاستمتاع حتى عندما يتحقق ما تتمناه؟

قد ينتظر شخص ترقية وظيفية لسنوات، لكن عندما يحصل عليها يبدأ فوراً بالخوف من فقدانها.

وقد يدخل آخر في علاقة عاطفية مستقرة، ثم ينشغل باحتمال انتهائها بدلاً من الاستمتاع بها.

في هذه الحالات، لا تكمن المشكلة في غياب الأشياء الجيدة، بل في صعوبة الشعور بالأمان أثناء وجودها.

فالقلق يجعل العقل يركز على ما يمكن خسارته، بدلاً من ملاحظة ما تحقق بالفعل.

ومع الوقت، قد يصبح الشخص أكثر اهتماماً بحماية نفسه من الحزن من اهتمامه بعيش الفرح.

هل الإحساس بأن شيئاً سيئاً سيحدث يعني أنه سيحدث فعلاً؟

لا. فالشعور القوي بالخطر لا يعني بالضرورة وجود خطر حقيقي.

قد يجعل القلق الاحتمالات السلبية تبدو أكثر ترجيحاً، خصوصاً عندما يكون الإنسان متوتراً أو مرهقاً أو يمر بفترة ضغوط.

كما أن بعض الأشخاص يتذكرون المرات التي شعروا فيها بالقلق ثم حدث أمر سيئ، بينما ينسون المرات الكثيرة التي توقعوا فيها الأسوأ ولم يحدث شيء.

وهذا قد يعزز الاعتقاد بأن لديهم قدرة خاصة على استشعار المصائب.

لكن من المهم التمييز بين ملاحظة علامات خطر حقيقية وبين الشعور العام بأن شيئاً سيئاً سيحدث دون وجود دليل.

كيف تسمح لنفسك بالفرح دون انتظار المصيبة؟

Sunlit Sheer Curtains Billowing at Open Doorway Revealing Dust Motes and Warm Wood Floor - Free Stock Photo | Pikwizard

التخلص من هذا الشعور لا يعني إجبار نفسك على التفكير بإيجابية طوال الوقت، أو تجاهل حقيقة أن الحياة قد تحمل أحداثاً صعبة.

بل يبدأ بالتعامل مع الأفكار المقلقة باعتبارها احتمالات، لا حقائق مؤكدة.

عندما تشعر بأن شيئاً سيئاً سيحدث، حاول أن تسأل نفسك: هل هناك دليل واضح على ذلك؟ أم أنني أخاف فقط من فقدان ما أملكه؟

ومن المفيد أيضاً ملاحظة اللحظات التي تسير فيها الأمور بصورة جيدة دون محاولة البحث فوراً عما قد يفسدها.

وإذا أصبح القلق مستمراً، أو أثر في النوم والعلاقات والقدرة على الاستمتاع بالحياة، فقد تساعد الاستشارة النفسية والعلاج المعرفي السلوكي على تغيير أنماط التفكير التي تغذيه.

هل الخوف من السعادة اضطراب نفسي؟

ليس بالضرورة.

فقد يمر كثيرون بفترات يخشون فيها المستقبل أو يشعرون بأن اللحظات السعيدة لن تستمر، دون أن يعني ذلك إصابتهم باضطراب نفسي.

لكن عندما يصبح الخوف متكرراً ويصعب التحكم فيه، أو يدفع الشخص إلى تجنب التجارب الجميلة، فمن المهم التعامل معه بجدية.

وتوضح المؤسسات الطبية المتخصصة أن القلق المفرط قد يكون جزءاً من اضطرابات القلق، خصوصاً إذا استمر وأثر في الحياة اليومية، لكن التشخيص يحتاج إلى تقييم مهني.

ليس كل فرح مقدمة لحزن

قد تكون الحياة غير متوقعة، وقد تتغير الظروف دون سابق إنذار. لكن ذلك لا يعني أن كل لحظة سعيدة تخفي وراءها حدثاً مؤلماً.

فليس هناك قانون نفسي يقول إن السعادة يجب أن يتبعها الحزن، أو أن الاطمئنان يجعل المصائب أكثر احتمالاً.

والتفكير المستمر في الخسارة لا يمنع حدوثها، تماماً كما أن الاستمتاع بالحاضر لا يجعل الإنسان أقل استعداداً للمستقبل.

أحياناً تكون الأمور جيدة لأنها جيدة فعلاً، وليس لأن شيئاً سيئاً ينتظر حدوثه.