هناك حضور تمنحه الألقاب، وحضور تصنعه السنوات وما تتركه من أثر. وفي مسيرة الملكة رانيا العبدالله، اجتمع الاثنان، لكن أكثر من ربع قرن من العمل العام جعل الإنجازات والمبادرات والمؤسسات جزءًا أساسيًا من صورتها داخل الأردن وخارجه.
من التعليم وتمكين الشباب إلى الطفولة والعمل الإنساني، ومن المنصات الدولية إلى العالم الرقمي والموضة، صنعت الملكة رانيا مساحة خاصة تجاوزت حدود الدور الملكي التقليدي، وربطت حضورها بمجموعة من الملفات التي استمرت في العمل عليها على مدى سنوات.
وفي 31 أغسطس، تحتفل الملكة رانيا بيوم ميلادها الـ56، بعد مسيرة أصبح من الممكن قراءة جانب كبير منها ليس فقط من خلال المناسبات والخطابات، وإنما أيضًا من خلال مؤسسات وأرقام ومشاريع امتد أثر بعضها إلى ملايين الأشخاص في العالم العربي.
التعليم أولًا.. استثمار يمتد لأجيال

إذا كان هناك ملف ارتبط باسم الملكة رانيا أكثر من غيره، فهو التعليم.
لكن اهتمامها بهذا القطاع لم يتوقف عند دعم المدارس أو إطلاق الحملات، بل اتجه تدريجيًا إلى بناء مؤسسات ومشاريع تتعامل مع التعليم من زوايا مختلفة، تبدأ من المعلم والطالب والمدرسة، وتصل إلى البحث والمحتوى الرقمي وتطوير أدوات التعلم.
وفي عام 2013، أسست الملكة رانيا مؤسسة الملكة رانيا للتعليم والتنمية، التي تعمل على تحديد الفجوات التعليمية ومعالجتها في الأردن والمنطقة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع عدد من المبادرات التعليمية التي ارتبطت بجهود الملكة خلال السنوات الماضية، من بينها أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين، وجائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي، ومبادرة «مدرستي».
المشترك بين هذه المشاريع هو التعامل مع التعليم باعتباره منظومة متكاملة؛ فتحسين تجربة الطالب يرتبط بالمعلم، والبيئة المدرسية، ونوعية المحتوى، والقدرة على الوصول إلى المعرفة.
«إدراك».. 10 ملايين متعلم من مشروع انطلق من الأردن

ويظهر حجم هذا التوجه بوضوح في تجربة منصة «إدراك».
أُطلقت المنصة عام 2014 بمبادرة من الملكة رانيا لتوفير تعليم نوعي باللغة العربية عبر الإنترنت، في وقت كان المحتوى التعليمي الرقمي العربي أقل حضورًا مما هو عليه اليوم.
وبحلول عام 2025، كانت «إدراك» قد وصلت إلى أكثر من 10 ملايين متعلم من مختلف أنحاء العالم العربي، فيما تجاوز عدد الدورات التي قدمتها 300 دورة مجانية، وأصدرت أكثر من 20 مليون شهادة للمتعلمين المسجلين فيها.
الأرقام هنا تتجاوز كونها مؤشرًا على نجاح منصة إلكترونية.
فمشروع بدأ من الأردن أصبح قادرًا على الوصول إلى متعلم في مصر أو المغرب أو الخليج أو أي مكان آخر، ومنح اللغة العربية مساحة أكبر داخل سوق التعليم الرقمي الذي تهيمن عليه لغات أخرى.
وهو مثال واضح على فكرة رافقت جانبًا كبيرًا من مشاريع الملكة رانيا: استخدام التكنولوجيا لتوسيع دائرة الفرص، وليس بوصفها هدفًا بحد ذاتها.
من الرعاية إلى الاستقلال.. قصة صندوق الأمان

وفي العمل الاجتماعي، تظهر الفكرة نفسها بصورة مختلفة.
في رمضان عام 2003، أطلقت الملكة رانيا حملة تحولت لاحقًا إلى صندوق الأمان لمستقبل الأيتام، قبل أن يتم تسجيله رسميًا كجمعية غير ربحية عام 2006.
انطلقت الفكرة من مرحلة شديدة الحساسية في حياة الشباب الأيتام: ماذا يحدث بعد بلوغ سن الـ18 والخروج من منظومة الرعاية؟
بدل أن تتوقف المساندة عند هذه النقطة، ركز الصندوق على ما يأتي بعدها، من التعليم الجامعي والدبلوم والتدريب المهني إلى السكن والدعم المعيشي والتأمين الصحي وتطوير المهارات، بهدف مساعدة الشباب على الانتقال نحو حياة أكثر استقلالًا.
وبعد عقدين، وصل عدد المستفيدين من الصندوق إلى أكثر من 5 آلاف شاب وشابة، فيما تشير بياناته إلى أن 78% من خريجيه حصلوا على وظيفة واحدة على الأقل.
وهنا يتحول مفهوم الدعم من مساعدة مرتبطة بمرحلة مؤقتة إلى استثمار في قدرة الشاب على بناء مستقبله بنفسه.
حضور عالمي بهوية أردنية

وبالتوازي مع مشاريعها داخل المملكة، اتسع حضور الملكة رانيا خارجيًا.
على مدار السنوات، شاركت في مؤتمرات ومنتديات دولية، وحضرت على منصات عالمية للحديث عن التعليم والطفولة والشباب واللاجئين وتمكين المرأة والقضايا الإنسانية.
لكن الوصول إلى جمهور عالمي لم يكن منفصلًا عن صورتها الأردنية.
في الداخل، حافظت الزيارات الميدانية إلى المحافظات والمدارس والمشاريع والجمعيات على حضورها المباشر، فيما ظهر دعم المنتجات والحرف والمشاريع المحلية في مناسبات مختلفة.
وفي الخارج، أصبحت إطلالاتها وخطاباتها ومقابلاتها فرصة لظهور الأردن أمام جمهور قد يعرف الملكة قبل أن يعرف الكثير من التفاصيل عن المملكة نفسها.
بهذا المعنى، لم يكن الحضور العالمي بديلًا عن الهوية المحلية، بل وسيلة لحملها إلى مساحة أوسع.
«السوشال ميديا».. الحضور الملكي بلغة مختلفة

وكان العالم الرقمي مساحة أخرى صنعت فيها الملكة رانيا أسلوبًا مختلفًا للتواصل.
فحساباتها على مواقع التواصل لم تقتصر على نشر الأخبار والبروتوكولات الرسمية. إلى جانب الزيارات والمبادرات، حضرت الصور العائلية واللحظات الشخصية والمناسبات الاجتماعية والرسائل الإنسانية.
هذا المزيج جعل الجمهور يرى جانبًا آخر من الحياة الملكية؛ أكثر قربًا من الشكل التقليدي الذي اعتادت المؤسسات الرسمية تقديمه.
وفي الوقت نفسه، استخدمت الملكة المنصات الرقمية على مدى سنوات للحديث إلى جمهور عالمي عن قضايا التعليم واللاجئين والشباب، ولمواجهة بعض الصور النمطية المرتبطة بالعرب والمسلمين.
وهكذا تحولت السوشال ميديا من وسيلة لنقل أخبار النشاطات إلى جزء من الهوية العامة للملكة وطريقة تواصلها مع العالم.
الموضة.. عندما تحمل الإطلالة شيئًا من الأردن

ولا يمكن الحديث عن الحضور العالمي للملكة رانيا من دون المرور بالموضة.
فإطلالاتها تحظى منذ سنوات بمتابعة واسعة من منصات ومجلات الموضة العالمية، إلا أن جانبًا مهمًا منها لا يتعلق فقط بأسماء دور الأزياء التي تختارها.
إلى جانب التصاميم العالمية، حضرت الأزياء الأردنية والعربية والتطريزات والحرف التقليدية في العديد من المناسبات، أحيانًا في شكلها التراثي وأحيانًا أخرى بعد تقديمها بطريقة معاصرة.
وبذلك أصبحت الأزياء مساحة أخرى تظهر فيها المعادلة التي رافقت صورتها العامة: مواكبة عالمية لا تلغي الهوية المحلية.
حتى في المناسبات ذات البروتوكول الصارم، استطاعت الملكة أن تجعل التفاصيل الأردنية جزءًا من الصورة، لتتحول بعض الإطلالات إلى مساحة للتعريف بالحرف والتصميم المحلي، وليس مجرد اختيار للملابس.
من غزة إلى اللاجئين.. المنصة العالمية للقضايا الإنسانية

لكن الحضور الدولي لا يُقاس فقط بعدد المنصات التي يصل إليها الشخص، وإنما بما يختار قوله عندما يصل إليها.
وخلال السنوات الأخيرة، برز الجانب الإنساني بصورة أكبر في خطاب الملكة رانيا، خصوصًا مع الحرب في غزة.
في مقابلاتها وخطاباتها الدولية، تحدثت عن المدنيين والأطفال الفلسطينيين والوضع الإنساني في القطاع، كما واصلت تناول قضايا اللاجئين والتعليم والعدالة في الوصول إلى الفرص.
وفي بيان صدر بالتزامن مع يوم ميلادها هذا العام، برزت القضية الفلسطينية مجددًا ضمن الملفات التي يحملها حضور الملكة الدولي، إلى جانب التعليم وتمكين الشباب والنساء والعمل الإنساني والتنمية.
وهو ما يعكس تحول المنصة العالمية من مساحة للحضور الشخصي إلى وسيلة لإيصال قضايا المنطقة إلى جمهور أوسع.
أكثر من ربع قرن.. الأثر الذي يبقى

بعد أكثر من 25 عامًا من العمل العام، يصبح تقييم المسيرة أبعد من عدد المبادرات التي أُطلقت أو المناسبات التي حضرتها الملكة رانيا.
السؤال الأهم هو: ماذا بقي منها؟
منصة تعليمية تضم 10 ملايين متعلم، وأكثر من 300 دورة وملايين الشهادات. مؤسسة تعمل على دراسة تحديات التعليم وتطوير الحلول. برامج لتدريب المعلمين. وصندوق رافق أكثر من 5 آلاف شاب وشابة من مرحلة الرعاية إلى التعليم والعمل والاستقلال.
هذه الأرقام تكشف جانبًا مختلفًا من الإنجاز؛ الانتقال من المبادرة المرتبطة بشخص إلى مؤسسة قادرة على العمل والاستمرار والتوسع.
وفي عامها الـ56، يصعب وضع الملكة رانيا في إطار واحد.
هي ملكة الأردن، لكنها أيضًا اسم ارتبط عربيًا بالتعليم والعمل الإنساني، وشخصية صنعت حضورًا دوليًا في الإعلام والموضة والمنصات الرقمية، مع إبقاء الأردن حاضرًا في جزء كبير من هذه الصورة.
وربما تكمن خلاصة أكثر من ربع قرن من مسيرتها هنا تحديدًا: أن التأثير لا يُقاس بحجم الحضور وحده، بل بما يبقى بعده.
ومن الأردن، استطاعت رانيا العبدالله أن تجعل هذا الحضور يصل إلى العالم.