لماذا أراقب صناعة الكابلات أكثر من بعض شركات الذكاء الاصطناعي؟

مقال رأي بقلم محمد تيّم

في كل مرة يُطرح فيها سؤال حول الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة، تتجه الأنظار مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات. هذه القطاعات تستحوذ على العناوين الرئيسية وتجذب المليارات من الاستثمارات، لكنني أعتقد أن جزءاً مهماً من القصة لا يزال بعيداً عن الأضواء.

هناك صناعة أقل شهرة، لكنها تمثل العمود الفقري لكثير من التحولات الاقتصادية التي نشهدها اليوم: صناعة الكابلات.

قد يبدو الحديث عن الكابلات أقل إثارة من الحديث عن نماذج الذكاء الاصطناعي أو الشركات التكنولوجية العملاقة، لكن الواقع أن الاقتصاد الرقمي الحديث لا يمكن أن يعمل من دونها. فكل عملية مالية عابرة للحدود، وكل خدمة سحابية، وكل منصة ذكاء اصطناعي، تعتمد في النهاية على شبكات مادية تنقل البيانات والطاقة بين المدن والدول والقارات.

لهذا السبب أرى أن الكابلات لم تعد مجرد منتج صناعي تقليدي، بل أصبحت أحد الأصول الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي.

الاقتصاد الرقمي ليس افتراضياً كما نعتقد

عندما نتحدث عن “السحابة”، قد يتخيل البعض أن البيانات تتحرك في فضاء افتراضي غير مرئي. لكن الحقيقة مختلفة تماماً.

فالجزء الأكبر من حركة البيانات العالمية ينتقل عبر كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحار والمحيطات. هذه الشبكات هي التي تربط الأسواق المالية العالمية، وتشغل خدمات الحوسبة السحابية، وتدعم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ومن هنا أعتقد أن أحد الأسئلة المهمة التي يجب أن يطرحها المستثمرون اليوم ليس فقط: من سيقود ثورة الذكاء الاصطناعي؟ بل أيضاً: من يمتلك البنية التحتية التي تجعل هذه الثورة ممكنة؟

التحول الأكبر قد يكون في البنية التحتية لا التطبيقات

خلال السنوات الماضية، ركزت الأسواق على الشركات التي تقدم الخدمات الرقمية والتطبيقات الجديدة. لكن مع نضوج هذه القطاعات، بدأت القيمة تنتقل تدريجياً إلى البنية التحتية التي تقوم عليها.

فكل مركز بيانات جديد يحتاج إلى شبكات كهرباء أكثر قوة، وكميات ضخمة من كابلات الألياف الضوئية، وأنظمة نقل طاقة قادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء.

ومع النمو المتسارع في الذكاء الاصطناعي، أصبحت الحاجة إلى هذه البنية التحتية أكبر من أي وقت مضى.

لهذا أرى أن بعض الفرص الاستثمارية الأكثر أهمية خلال السنوات المقبلة قد لا تكون في التطبيقات التي يستخدمها الناس يومياً، بل في الصناعات التي تجعل تلك التطبيقات تعمل في الأساس.

الطاقة تفتح فصلاً جديداً للنمو

لا يقتصر دور الكابلات على نقل البيانات فقط.

فالعالم يعيش اليوم أكبر عملية تحول في قطاع الطاقة منذ عقود، سواء من خلال مشاريع الطاقة المتجددة أو شبكات الربط الكهربائي أو التوسع في مراكز البيانات والسيارات الكهربائية.

هذه التحولات ترفع الطلب على الكابلات عالية الجهد بشكل غير مسبوق.

وبالنسبة للمستثمرين، فإن أهمية هذه النقطة تكمن في أن الطلب لا يرتبط بدورة اقتصادية قصيرة الأجل، بل باتجاهات هيكلية طويلة المدى من المتوقع أن تستمر لسنوات عديدة.

الخليج جزء من هذه القصة

ما يلفت الانتباه أيضاً هو أن دول الخليج أصبحت لاعباً مهماً في هذا التحول.

فالاستثمارات المتسارعة في مراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة المتجددة، ومشاريع الربط الكهربائي، تعكس فهماً متزايداً لأهمية بناء الاقتصاد القادم على أسس قوية ومستدامة.

ومن وجهة نظري، فإن ما نشهده اليوم في السعودية والإمارات على وجه الخصوص لا يتعلق فقط بإنشاء مشاريع جديدة، بل ببناء منظومة اقتصادية قادرة على الاستفادة من النمو العالمي في البيانات والطاقة والتقنيات المتقدمة.

الفرص الحقيقية لا تكون دائماً تحت الأضواء

التاريخ الاقتصادي مليء بأمثلة لقطاعات بدت في وقت ما تقليدية أو مملة، قبل أن تتحول إلى عناصر أساسية في موجات النمو الكبرى.

واليوم أعتقد أن صناعة الكابلات تنتمي إلى هذه الفئة.

ففي الوقت الذي يتنافس فيه الجميع على متابعة أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي، قد يكون من المفيد النظر إلى ما هو أبعد من العناوين اليومية، والتركيز على البنية التحتية التي ستدعم الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة.

في النهاية، لا تُقاس أهمية الصناعة بحجم الحديث عنها، بل بحجم اعتماد العالم عليها.

ومن هذه الزاوية، قد تكون الكابلات واحدة من أكثر الصناعات تأثيراً في الاقتصاد العالمي، رغم أنها من أقلها حضوراً في النقاش العام.

قد يعجبك ايضا