في عالم الموضة، لا تبقى معايير الجمال ثابتة لفترة طويلة. فما يُعد اليوم عنوانًا للأناقة قد يصبح بعد سنوات جزءًا من الماضي، والعكس صحيح. وبعد مرحلة اتسمت بالاحتفاء بتنوع الأجسام، وتصدر عبارات مثل “إيجابية الجسد” و”الجمال بكل المقاسات”، يبدو أن المشهد يشهد تحولًا جديدًا، مع عودة النحافة إلى الواجهة، سواء على منصات عروض الأزياء أو في حملات العلامات العالمية أو حتى عبر حسابات المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي.
هذا التحول لم يمر مرور الكرام، بل أثار نقاشًا واسعًا داخل صناعة الموضة، وبين خبراء الصحة، حول ما إذا كانت معايير الجمال تعود إلى نقطة البداية، أم أن ما يحدث مجرد دورة جديدة من دورات الموضة المعتادة.
منصات الأزياء ترسم الملامح الجديدة
لطالما كانت أسابيع الموضة العالمية مؤشرًا على الاتجاهات المقبلة، ليس فقط في الملابس، بل أيضًا في صورة الجسد التي تروج لها الصناعة.
وفي تقريرها الخاص بموسم ربيع وصيف 2025، أشارت Vogue Business إلى تراجع تمثيل العارضات ذوات المقاسات الكبيرة والمتوسطة مقارنة بالمواسم السابقة، مقابل ارتفاع حضور العارضات شديدات النحافة في عروض نيويورك ولندن وميلانو وباريس.
ورغم أن التنوع لم يختفِ بالكامل، فإن الأرقام عكست ميلًا واضحًا نحو نموذج جسدي أكثر نحافة، وهو ما اعتبره كثيرون تحولًا لافتًا بعد سنوات من تبني مفهوم الشمولية في عالم الأزياء.
ما الذي أعاد النحافة إلى الواجهة؟
يرى مراقبون أن هذا التغيير لا يرتبط بسبب واحد، بل هو نتيجة مجموعة من العوامل التي تزامنت خلال السنوات الأخيرة.
فعودة موضة الألفية الجديدة (Y2K)، التي ارتبطت في بداياتها بالقوام النحيف، لعبت دورًا في إعادة هذا النموذج إلى الواجهة. كما ساهمت التحولات التي طرأت على إطلالات عدد من النجمات العالميات، إلى جانب الانتشار الواسع للحديث عن أدوية إنقاص الوزن من فئة GLP-1، في إعادة تشكيل الصورة المتداولة للجسم “المثالي” على المنصات الرقمية.
ورغم أن هذه الأدوية طُورت أساسًا لعلاج حالات طبية محددة، فإن تداولها المستمر في الإعلام ومواقع التواصل جعلها جزءًا من النقاش الدائر حول معايير الجمال الحالية.
بين الجمال والصحة… أين تكمن الحدود؟
في المقابل، يؤكد أطباء التغذية أن النحافة لا تعني بالضرورة صحة أفضل، تمامًا كما أن زيادة الوزن لا تعني تلقائيًا وجود مشكلة صحية.
فشكل الجسم يتأثر بعوامل وراثية وهرمونية وأسلوب الحياة، ولا يمكن اختزال مفهوم الصحة في رقم على الميزان أو مقاس للملابس.
كما يحذر مختصون في الصحة النفسية من أن ربط الجمال بشكل واحد للجسم قد يزيد من الضغوط النفسية، خاصة لدى المراهقات، ويؤثر في صورة الجسد والثقة بالنفس.
هل انتهت حقبة “إيجابية الجسد”؟
رغم تراجع تمثيل المقاسات المتنوعة في بعض عروض الأزياء، فإن حركة Body Positivity لم تختفِ، ولا تزال العديد من العلامات التجارية تواصل تقديم حملات تضم نساء بأحجام وأعمار وخلفيات مختلفة.
لكن اللافت أن المشهد الحالي يعكس تنافسًا بين اتجاهين؛ الأول يدعو إلى الاحتفاء بتنوع الأجسام، والثاني يعيد النحافة إلى صدارة الصورة البصرية التي تقدمها صناعة الموضة.
الموضة تتغير… لكن الجمال لا يختزل في مقاس
قد تتبدل معايير الجمال من موسم إلى آخر، وقد تعود صيحات اعتقد كثيرون أنها أصبحت من الماضي، إلا أن الخبراء يجمعون على أن الجمال لا ينبغي أن يُختزل في شكل واحد للجسد.
فبين النحافة والمنحنيات، يبقى التوازن، والصحة، والراحة مع الذات، عناصر أكثر استدامة من أي صيحة قد تفرضها صناعة الموضة اليوم، ثم تستبدلها بصيحة جديدة بعد أعوام قليلة.
