لايف ستايل

لماذا يريد الجميع أن يصبحوا «إنفلوانسر»؟.. عندما تتحول الشهرة إلى حلم بضغطة زر

قبل سنوات، كانت الشهرة تبدو بعيدة المنال. تحتاج إلى موهبة تفتح لك أبواب التلفزيون أو السينما، أو مسيرة طويلة تجعلك معروفاً لدى الجمهور. أما اليوم، فقد يبدأ الطريق من هاتف وفيديو لا يتجاوز دقيقة واحدة. وإذا التقطته خوارزمية تيك توك أو إنستغرام في اللحظة المناسبة، قد يشاهده الملايين.

هذه الإمكانية غيّرت علاقتنا بالشهرة. لم يعد المشهور بالضرورة ممثلاً أو مغنياً أو لاعب كرة، بل قد يكون شخصاً يصور يومياته أو طعامه أو ملابسه. ومع الجمهور تأتي فرص الإعلانات والسفر والهدايا والدخل، لتتحول كلمة «إنفلوانسر» من وصف جديد إلى مهنة يحلم بها كثير من الشباب.

لكن لماذا يريد هذا العدد الكبير أن يصبح مؤثراً؟ وهل نعيش فعلاً حالة من هوس الشهرة، أم أن مواقع التواصل غيّرت ببساطة مفهوم النجاح؟

حلم «الإنفلوانسر» لم يعد ظاهرة صغيرة

الأرقام تؤكد أن الرغبة في دخول عالم صناعة المحتوى واسعة بالفعل. فقد أظهر استطلاع حديث لـMorning Consult أن 57% من أفراد الجيل Z قد يفكرون في أن يصبحوا مؤثرين إذا أتيحت لهم الفرصة. وبلغت النسبة 54% بين جيل الألفية، مقابل 35% بين البالغين عموماً.

لكن هذه الأرقام لا تعني أن أكثر من نصف الشباب يريدون ترك وظائفهم غداً والتفرغ لتصوير الفيديوهات. السؤال كان عن مدى استعدادهم للتفكير في هذا المسار، وليس عن خطط مهنية مؤكدة.

ومع ذلك، تكشف النتيجة مدى تغير صورة هذه المهنة. ما كان يبدو قبل سنوات نشاطاً جانبياً أصبح اليوم خياراً مهنياً حقيقياً في أذهان كثيرين.

المفاجأة.. الشهرة ليست الدافع الأول

قد يكون من السهل تفسير الظاهرة بأنها مجرد رغبة في الشهرة، لكن الأرقام تقول شيئاً مختلفاً. عندما سُئل الراغبون في دخول عالم التأثير عن أسبابهم، اختار 58% المال، بينما اختار 57% فرصة التعبير عن الإبداع.

كما جذبهم العمل الممتع وساعات العمل المرنة والسفر والقدرة على التأثير في الآخرين. أما الشهرة والتقدير فجاءا بنسبة 35% فقط.

وهنا تتغير القصة. فالإنفلوانسر الناجح لا يظهر أمام المتابع كشخص مشهور فقط، بل كشخص استطاع تحويل حياته واهتماماته إلى عمل. يبدو أنه يختار ساعات عمله ويسافر ويكسب المال ويفعل ما يحبه، وهي صورة جذابة لمن يقارنها بوظيفة تقليدية من التاسعة إلى الخامسة.

الشهرة أصبحت تبدو في متناول الجميع

أحد أكبر التغييرات التي صنعتها مواقع التواصل هو إزالة البوابة التي كانت تفصل الشخص العادي عن الجمهور. في الماضي، كان الوصول إلى ملايين الناس يحتاج إلى محطة تلفزيونية أو شركة إنتاج أو صحيفة أو جهة تمنحك مساحة للظهور.

اليوم، يستطيع أي شخص فتح حساب وتصوير فيديو ونشره في دقائق. هذا لا يعني أن النجاح سهل، لكنه يجعل فرصة المحاولة متاحة تقريباً للجميع.

ويتعرض المستخدم باستمرار لقصص تعزز هذا الاعتقاد. شخص بدأ بتصوير وصفات الطعام وأصبح لديه ملايين المتابعين، وآخر نشر يومياته فتحولت إلى مصدر دخل، وثالث بدأ من غرفة صغيرة وأصبح يتعاون مع علامات عالمية.

عندما تتكرر هذه القصص كل يوم، يصبح من السهل التفكير: إذا استطاع هو، لماذا لا أستطيع أنا؟

مواقع التواصل جعلت الشهرة رقماً نراه كل يوم

هناك تغيير نفسي آخر لا يقل أهمية. فالشهرة في عصر مواقع التواصل أصبحت قابلة للقياس بطريقة لم تكن موجودة من قبل.

عدد المتابعين ظاهر. وعدد المشاهدات ظاهر. والإعجابات والتعليقات والمشاركات كلها أرقام يستطيع الشخص مراقبتها ومقارنتها بأرقام الآخرين.

وتشير دراسات أجريت على المراهقين باستخدام تصوير الدماغ إلى أن رؤية عدد كبير من الإعجابات ترتبط بنشاط في مناطق تشارك في معالجة المكافأة. كما كان المشاركون أكثر ميلاً للإعجاب بصورة عندما يرون أنها حصلت بالفعل على إعجابات كثيرة.

هذا لا يعني أن كل «لايك» يسبب الإدمان، وهي مبالغة شائعة لا تدعمها الأدلة بهذه البساطة. لكنه يوضح لماذا يمكن للتفاعل الاجتماعي الرقمي أن يكون مهماً بالنسبة إلينا.

فالرقم تحت الصورة يحمل رسالة اجتماعية واضحة: هناك أشخاص شاهدوني وأعجبهم ما قدمته.

لماذا نعود لنرى عدد المشاهدات مرة أخرى؟

من ينشر على مواقع التواصل يعرف هذا الشعور. تنشر صورة أو فيديو، ثم تعود بعد دقائق لترى عدد المشاهدات. وبعد ساعة قد تنظر مرة أخرى، خصوصاً إذا بدأ المحتوى بالانتشار.

جزء من جاذبية هذه الأرقام هو أنها ليست ثابتة أو متوقعة. قد يحصل فيديو على ألف مشاهدة، ثم يحقق الفيديو التالي مئات الآلاف. وقد يحدث العكس تماماً.

هذا التفاوت يجعل نجاح المنشور غير مضمون. كما يجعل الأرقام أكثر حضوراً في تجربة صانع المحتوى، خصوصاً عندما يرتبط بها نمو الحساب أو فرص تحقيق الدخل.

ومع الوقت، قد يصبح النجاح نفسه مختصراً في أرقام: كم متابعاً لدي؟ كم شخصاً شاهد الفيديو؟ وهل حقق المنشور أكثر من المنشور السابق؟

 

المؤثر ليس مثل نجم السينما

هناك سبب آخر يجعل حلم الإنفلوانسر يبدو أقرب من حلم النجومية التقليدية. المؤثر غالباً لا يعيش أمام جمهوره كشخصية بعيدة، بل يسمح للمتابع بالدخول إلى تفاصيل حياته.

نشاهد منزله ووجباته ورحلاته ومشترياته. قد نعرف اسم شريكه وأطفاله وأصدقائه، ونشاهد تفاصيل يومه منذ الصباح وحتى المساء.

هذا النوع من المتابعة قد يخلق ما يسميه الباحثون العلاقة شبه الاجتماعية. يشعر المتابع بأنه يعرف المؤثر جيداً، رغم أن العلاقة الحقيقية ليست متبادلة بالطريقة نفسها.

وهذا القرب يجعل النجاح يبدو قابلاً للتكرار. فالمؤثر لا يظهر دائماً كنجم بعيد، بل كشخص عادي أصبح مشهوراً لأنه بدأ بالنشر.

نحن نرى حياة الإنفلوانسر.. لكننا لا نرى كل ما خلفها

هنا تظهر واحدة من أكبر المفارقات. فالمحتوى الذي يجعل حياة المؤثر جذابة هو نفسه محتوى منتقى ليعرض الجزء الذي يستحق المشاهدة.

يرى المتابع الرحلة، لكنه قد لا يرى ساعات التصوير والمونتاج. يرى إعلان العلامة التجارية، لكنه لا يرى المفاوضات والعقود التي رُفضت. ويرى الفيديو الذي حقق مليون مشاهدة، لا عشرات الفيديوهات التي لم تحقق النتيجة نفسها.

حتى الجمهور يدرك أن النجاح في هذا المجال ليس مضموناً. فقد قال 37% من المشاركين في استطلاع Morning Consult إن النجاح كمؤثر سيكون صعباً إلى حد ما أو صعباً جداً.

ومن أبرز التحديات التي يتوقعها المشاركون القدرة على الحفاظ على الجمهور. فالشهرة السريعة ممكنة، لكن إبقاء الناس مهتمين بما تنشره قصة مختلفة تماماً.

عندما نبدأ بعيش حياتنا من أجل المحتوى

ربما يكون هذا أحد أكثر التغييرات إثارة للاهتمام في ثقافة مواقع التواصل. في البداية كنا نلتقط الصور لأن شيئاً ما حدث في حياتنا، ثم ننشرها. أما اليوم، فقد يحدث العكس أحياناً.

قد يختار الشخص مطعماً لأنه مناسب للتصوير، أو يسافر إلى مكان لأنه رائج على إنستغرام. وقد يشتري منتجاً لأنه سيصنع فيديو جيداً، أو يخوض تجربة لأنه يعرف أنها ستجذب المشاهدات.

وفي استطلاع لـMorning Consult عام 2025، قال 52% من أفراد الجيل Z إنهم يقومون كثيراً بمهام جديدة أو إضافية لأنهم يعتقدون أنها قد تنتج محتوى جيداً للنشر.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد الرغبة في الشهرة. مواقع التواصل لا توثق حياتنا فقط، بل قد تبدأ بالتأثير في الطريقة التي نختار أن نعيش بها هذه الحياة.

لأن المتابعين أصبحوا يساوون المال

لا يمكن فهم حلم الإنفلوانسر من دون الحديث عن المال. فالشهرة الرقمية تختلف عن الشهرة التقليدية في سهولة تحويل الجمهور إلى فرص تجارية.

يمكن لصانع المحتوى الحصول على إعلانات وتعاونات مع العلامات التجارية. كما يستطيع استخدام التسويق بالعمولة أو الاشتراكات، ثم الانتقال لاحقاً إلى بيع منتجاته أو إطلاق علامته الخاصة.

وفي استطلاع أميركي عام 2025، قال 24% من البالغين من الجيل Z إنهم يكسبون بالفعل أموالاً من النشر على مواقع التواصل.

هذا الرقم يفسر جزءاً كبيراً من جاذبية المهنة. فالشاب لا يرى أمامه شخصاً يحصل على الإعجابات فقط، بل شخصاً استطاع تحويل تلك الإعجابات إلى دخل.

وبذلك لم تعد الشهرة هي الهدف النهائي دائماً. الشهرة أصبحت أداة يمكن استخدامها لبناء عمل.

ولماذا يبدو أن الجميع يريدون أن يصبحوا مؤثرين؟

لأن المؤثرين أصبحوا جزءاً طبيعياً من حياتنا اليومية. وتشير بيانات حديثة إلى أن 88% من البالغين من الجيل Z يتابعون مؤثراً واحداً على الأقل، فيما يتابع بعضهم عشرات المؤثرين.

هذا يعني أن نموذج الحياة نفسه يتكرر أمامهم باستمرار. سفر وإعلانات ومنتجات وفعاليات وملابس ومطاعم وملايين المشاهدات.

ومع التكرار، تبدأ الحياة التي كانت تبدو استثنائية في الظهور كأنها مسار مهني طبيعي. وربما هذا هو التغيير الأهم الذي صنعته مواقع التواصل.

في الماضي، كان هناك عدد محدود من المشاهير يشاهدهم ملايين الأشخاص. اليوم هناك ملايين الأشخاص الذين يملكون الأدوات اللازمة لمحاولة أن يشاهدهم الآخرون.

لكن للبحث عن الشهرة وجهاً آخر

عندما تصبح الشعبية رقماً، تصبح المقارنة أيضاً أسهل. الشخص الذي لديه ألف متابع يستطيع أن يرى شخصاً في عمره لديه مليون، ويقارن حياته بحياته في ثوانٍ.

ولا تتوقف المقارنة عند عدد المتابعين. هناك الجسم والملابس والسفر والدخل والمنزل والعلاقات وحتى شكل الحياة اليومية.

وتربط دراسات عديدة الاستخدام القائم على المقارنة الاجتماعية بنتائج سلبية لدى بعض المستخدمين، مثل انخفاض الرضا عن صورة الجسد أو تراجع الرفاه النفسي. لكن التأثير يختلف باختلاف الشخص وطريقة استخدام المنصات والمحتوى الذي يتابعه.

وفي المقابل، توفر مواقع التواصل فوائد حقيقية. فقد منحت كثيرين مساحة للإبداع وبناء المجتمعات والعثور على فرص عمل لم تكن متاحة لهم سابقاً.

هل أصبحنا فعلاً مهووسين بالشهرة؟

وصف الظاهرة بأنها مجرد «هوس بالشهرة» قد يكون مغرياً، لكنه لا يروي القصة كاملة.

فالشاب الذي يريد أن يصبح إنفلوانسر قد يريد الشهرة بالفعل. لكنه قد يريد أيضاً المال والاستقلال والمرونة والسفر والقدرة على العمل في شيء يحبه.

ما فعلته مواقع التواصل هو أنها جمعت كل هذه الأشياء في صورة واحدة.

الإنفلوانسر الناجح يبدو مشهوراً، لكنه يبدو أيضاً حراً وناجحاً وميسوراً وقادراً على تحويل اهتماماته إلى عمل. والأهم أن الطريق إلى هذه الحياة يبدو وكأنه يبدأ من الجهاز الموجود بالفعل في يد الجميع.

وهنا ربما تكمن الإجابة عن السؤال.

مواقع التواصل لم تجعل الجميع يريدون الشهرة فقط، بل جعلت الشهرة تبدو وكأنها طريق مختصر إلى الحياة التي يريدها كثيرون.

لكن الوصول إلى الجمهور شيء، والحفاظ عليه شيء آخر تماماً. وبين فيديو يحقق ملايين المشاهدات وحساب يتحول إلى مهنة مستقرة، توجد مساحة كبيرة لا تظهر دائماً على الشاشة.

هذه البنية أقرب لمقال نص خبر: كل فقرة تحمل فكرة كاملة، ولا توجد الجمل القصيرة المكدسة تحت بعضها، وفي الوقت نفسه تجنبت الجمل الطويلة جداً حتى لا تعود مشكلة Yoast السابقة.