خلال العامين الماضيين، تحولت كلمة Peptides أو الببتيدات من مصطلح يستخدم داخل المختبرات والعيادات الطبية إلى واحد من أكثر الكلمات تداولًا على مواقع التواصل الاجتماعي. وأصبح الحديث عنها حاضرًا في مقاطع “تيك توك”، وعيادات الطب التجميلي، وأندية اللياقة البدنية، وحتى بين الباحثين عن حلول لإبطاء الشيخوخة.
فمن خسارة الوزن إلى تحسين البشرة، ومن تسريع التعافي بعد الإصابات إلى زيادة الكتلة العضلية، تُنسب إلى الببتيدات قائمة طويلة من الفوائد التي دفعت البعض إلى وصفها بأنها “مستقبل الطب”.
لكن السؤال الذي يطرحه الأطباء اليوم مختلف تمامًا: هل تستند هذه الادعاءات إلى أدلة علمية قوية، أم أن جزءًا كبيرًا منها سبق العلم؟
ما هي الببتيدات؟
الببتيدات هي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، أي الوحدات الأساسية التي تُكوّن البروتينات داخل الجسم. ويصنع الجسم مئات الببتيدات بصورة طبيعية، حيث تعمل كرسائل كيميائية تنظم وظائف عديدة، مثل الشهية، وإفراز الهرمونات، والالتهابات، والتئام الجروح، ووظائف المناعة.
لكن في السنوات الأخيرة، طوّر الباحثون أيضًا ببتيدات علاجية تُستخدم كأدوية لعلاج أمراض محددة، بينما دخلت أنواع أخرى إلى مستحضرات العناية بالبشرة والمكملات الغذائية، وهو ما خلق حالة من الالتباس، إذ أصبح كثيرون يطلقون كلمة “ببتيدات” على منتجات مختلفة تمامًا في آلية عملها واستخداماتها.
لماذا انفجر الاهتمام بالببتيدات؟
السبب الرئيسي يعود إلى النجاح الكبير الذي حققته أدوية ناهضات مستقبل GLP-1، وهي أدوية تعتمد على ببتيدات تحاكي هرمونات طبيعية في الجسم، مثل سيماجلوتايد وتيرزيباتايد، والتي أثبتت فعاليتها في علاج السمنة وبعض حالات السكري ضمن دراسات سريرية كبيرة، وأصبحت معتمدة من الجهات التنظيمية لاستخدامات محددة.
هذا النجاح فتح الباب أمام موجة واسعة من الاهتمام بأنواع أخرى من الببتيدات، بعضها ما يزال في مراحل البحث، وبعضها الآخر يُسوَّق عبر الإنترنت دون موافقات تنظيمية أو أدلة سريرية كافية، ما دفع خبراء إلى التحذير من وضع جميع الببتيدات في سلة واحدة.
هل تساعد الببتيدات فعلًا في خسارة الوزن؟
هنا يجب التمييز بين الحقيقة العلمية والدعاية.
تشير الأدلة إلى أن بعض الببتيدات الدوائية فقط أثبتت قدرتها على المساعدة في خسارة الوزن، وأبرزها ناهضات مستقبل GLP-1 والأدوية التي تجمع بين أكثر من مستقبل هرموني، والتي تعمل على تقليل الشهية، وإبطاء إفراغ المعدة، وزيادة الشعور بالشبع، وهو ما يؤدي إلى انخفاض استهلاك السعرات الحرارية وخسارة الوزن عند استخدامها تحت إشراف طبي.
في المقابل، لا توجد أدلة قوية تثبت أن معظم الببتيدات الأخرى المتداولة على الإنترنت أو التي يروج لها مؤثرو اللياقة تؤدي إلى خسارة الوزن لدى الأشخاص الأصحاء، كما أن كثيرًا منها لم يخضع لتجارب سريرية واسعة تثبت فعاليته أو سلامته.
ولهذا يؤكد اختصاصيو الغدد الصماء أن النجاح الذي حققته أدوية مثل سيماجلوتايد لا يعني أن جميع الببتيدات تمتلك التأثير نفسه، فلكل مركب آلية مختلفة، ولكل دواء ملف خاص من حيث الفعالية والسلامة.
ماذا عن مكافحة الشيخوخة؟
ربما يكون هذا هو الادعاء الأكثر انتشارًا.
فعلى مواقع التواصل، تُسوَّق بعض الببتيدات على أنها “إكسير الشباب”، مع وعود بإبطاء الشيخوخة وتحسين الطاقة وإطالة العمر.
لكن الواقع العلمي أكثر تعقيدًا.
فحتى اليوم، لا توجد ببتيدات معتمدة لإبطاء الشيخوخة أو إطالة العمر لدى الإنسان. وتشير المراجعات العلمية إلى أن بعض المركبات أظهرت نتائج واعدة في الدراسات المخبرية أو على الحيوانات، إلا أن هذه النتائج لا تكفي لإثبات فعاليتها سريريًا عند البشر، وما تزال هناك حاجة إلى تجارب سريرية كبيرة وطويلة الأمد قبل اعتماد مثل هذه الادعاءات.
في المقابل، قد تساعد بعض الببتيدات المعتمدة في تحسين عوامل مرتبطة بالتقدم في العمر، مثل علاج السمنة أو السيطرة على السكري، وهو ما قد ينعكس بصورة غير مباشرة على الصحة العامة، لكن هذا يختلف تمامًا عن الادعاء بأنها “توقف الشيخوخة”.
هل تساعد الببتيدات في تحسين البشرة؟
من أكثر الاستخدامات انتشارًا اليوم إدخال الببتيدات في كريمات العناية بالبشرة والأمصال (Serums)، حتى أصبحت كلمة “Peptides” عنصرًا أساسيًا في تسويق كثير من منتجات التجميل.
لكن على عكس الادعاءات المنتشرة على مواقع التواصل، فإن تأثير الببتيدات يختلف باختلاف نوعها وتركيبتها.
تشير المراجعات العلمية إلى أن بعض الببتيدات الموضعية قد تساهم في تحسين مظهر البشرة من خلال إرسال إشارات للخلايا المسؤولة عن إنتاج الكولاجين والإيلاستين، وهما البروتينان اللذان يمنحان الجلد مرونته وتماسكه. كما أن بعض التركيبات قد تساعد في تقليل فقدان الماء من الجلد وتحسين حاجز البشرة، ما ينعكس على نعومتها ومظهر الخطوط الدقيقة.
ومع ذلك، يؤكد أطباء الجلدية أن هذه النتائج تكون متواضعة وتدريجية، ولا يمكن مقارنتها بإجراءات مثل الليزر أو بعض العلاجات الطبية المتخصصة. كما أن فعالية المنتج تعتمد على تركيبة المستحضر بالكامل، وليس على وجود كلمة “Peptides” على العبوة فقط.
ماذا عن الشعر؟ هل توقف الببتيدات تساقطه؟
تُباع اليوم عشرات المنتجات التي تزعم أن الببتيدات تعالج تساقط الشعر أو تعيد إنباته، لكن الأدلة العلمية ما زالت محدودة.
تشير الدراسات الأولية إلى أن بعض الببتيدات قد تؤثر في البيئة المحيطة ببصيلة الشعر أو تدعم مراحل نموها، إلا أن الأدلة السريرية لا تزال غير كافية لاعتمادها كعلاج أساسي للصلع الوراثي أو لمعظم أنواع تساقط الشعر.
ولهذا السبب، لا تزال العلاجات التي تمتلك أدلة أقوى، مثل المينوكسيديل وبعض العلاجات الموصوفة طبيًا، هي الخط الأول في معظم الإرشادات الطبية، بينما تحتاج الببتيدات إلى دراسات أكبر قبل منحها الدور نفسه.
هل تسرّع الببتيدات التعافي من الإصابات؟
ربما يكون هذا أكثر المجالات التي امتلأت بالمبالغات.
فأسماء مثل BPC-157 وTB-500 أصبحت تتكرر باستمرار في مقاطع الرياضيين والمؤثرين، مع وعود بأنها تسرّع التئام الأوتار والعضلات والأربطة.
لكن عند مراجعة الأدلة العلمية، تظهر صورة مختلفة.
فمعظم الدراسات المنشورة حول BPC-157 أُجريت على الحيوانات، بينما لا توجد تجارب سريرية بشرية عالية الجودة تثبت فعاليته أو سلامته لعلاج الإصابات الرياضية. كما أن الجهات التنظيمية الأمريكية أشارت إلى نقص كبير في بيانات السلامة، وأدرجت BPC-157 ضمن المواد التي قد تنطوي على مخاطر عند استخدامها في المستحضرات المركبة.
وينطبق الأمر بدرجة كبيرة على TB-500، إذ لا توجد أدلة سريرية قوية تثبت فعاليته لدى البشر، كما أن بيانات السلامة المتوفرة محدودة للغاية، وهو ما دفع الهيئات التنظيمية إلى التحذير من استخدامه خارج الأبحاث العلمية.
لهذا يؤكد اختصاصيو الطب الرياضي أن الادعاء بأن هذه الببتيدات “تشفي الإصابات” أو “تختصر فترة التعافي” لا يستند حتى الآن إلى أدلة سريرية كافية لدى البشر.
هل تعزز الببتيدات الأداء الرياضي؟
الإجابة تعتمد على نوع الببتيد.
فبعض الببتيدات العلاجية قد تؤثر بصورة غير مباشرة في الأداء إذا عالجت مرضًا معينًا مثل السمنة أو السكري.
أما الادعاءات التي تزعم أن الببتيدات تزيد القوة العضلية أو تبني العضلات أو تحسن الأداء الرياضي لدى الأشخاص الأصحاء، فما زالت تفتقر إلى أدلة علمية قوية بالنسبة لمعظم المركبات المتداولة خارج الاستخدامات الطبية المعتمدة.
بل إن عددًا من هذه المواد مدرج ضمن قائمة الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات (WADA)، ما يعني أن استخدامها قد يعرض الرياضيين المحترفين للعقوبات، حتى لو كان الهدف المعلن هو التعافي أو تحسين الأداء.
لماذا يحذر الأطباء من شراء الببتيدات عبر الإنترنت؟
خلال الأشهر الأخيرة، أصدرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) عدة تحذيرات بشأن الببتيدات ومنتجات GLP-1 غير المعتمدة التي تُباع عبر الإنترنت.
وتوضح الهيئة أن هذه المنتجات قد:
- تحتوي على جرعات غير مطابقة لما هو مكتوب على العبوة.
- تحتوي على شوائب أو ملوثات.
- تكون مزيفة بالكامل.
- تُسوّق بادعاءات علاجية غير مثبتة علميًا.
كما شددت FDA على أن الأدوية غير المعتمدة أو المباعة خارج القنوات الرسمية لم تخضع لتقييم السلامة والجودة والفعالية، ونصحت المرضى بالحصول على هذه العلاجات فقط عبر وصفة طبية ومن خلال صيدليات مرخصة.
الخلاصة
لا شك أن الببتيدات تمثل واحدًا من أكثر المجالات إثارة في الطب الحديث، وبعضها أحدث بالفعل نقلة كبيرة، خصوصًا في علاج السمنة والسكري.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن وضع جميع الببتيدات في فئة واحدة. فهناك مركبات معتمدة ومدعومة بتجارب سريرية قوية، وأخرى لا تزال في مراحل البحث، وثالثة تُباع عبر الإنترنت رغم غياب الأدلة الكافية على فعاليتها أو سلامتها.
لذلك، يرى الخبراء أن أفضل طريقة للتعامل مع “هوس الببتيدات” هي الفصل بين العلم والدعاية. فما تثبته الدراسات يمكن الاستفادة منه بإشراف طبي، أما الوعود التي تسبق الأدلة، فمن الأفضل التعامل معها بحذر حتى تتوفر بيانات علمية أكثر قوة.
