إذا نظرت حولك في المكتب، أو الجامعة، أو النادي الرياضي، أو حتى في المطار، ستلاحظ أمراً أصبح شبه ثابت: الجميع تقريباً يحمل زجاجة ماء خاصة به.
لم تعد زجاجة الماء مجرد وسيلة للشرب عند الشعور بالعطش، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى جزء من الروتين اليومي، وأحياناً إلى قطعة تعكس أسلوب الحياة، تماماً مثل الهاتف أو حقيبة العمل.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل يحتاج الجسم فعلاً إلى شرب الماء بهذه الكميات؟ أم أن ما نشهده اليوم هو مزيج من الوعي الصحي والتأثير الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي؟
في هذا المقال نستعرض الأسباب الحقيقية وراء هذه الظاهرة، وما يقوله العلم عن الترطيب، وهل أصبح حمل زجاجة الماء عادة مفيدة أم أن البعض يبالغ فيها.
لم تعد مجرد زجاجة… بل أسلوب حياة
اليوم تغير المشهد تماماً.
فمنصات التواصل الاجتماعي امتلأت بصور زجاجات المياه الضخمة، وتحديات شرب لترين أو ثلاثة لترات يومياً، وأصبحت شركات كثيرة تنتج زجاجات بألوان وتصاميم متنوعة مع مؤشرات زمنية تشجع المستخدم على الشرب باستمرار.
ولم يعد الأمر مقتصراً على الرياضيين، بل أصبح الموظفون والطلاب والمسافرون وحتى الأطفال يحملون زجاجاتهم الخاصة طوال اليوم.
ويرى خبراء السلوك الاستهلاكي أن انتشار هذه الزجاجات يعود إلى عدة عوامل اجتمعت في الوقت نفسه:
- زيادة الوعي الصحي بعد جائحة كورونا.
- الاهتمام بالاستدامة وتقليل استخدام العبوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.
- تأثير المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
- انتشار ثقافة “العادات الصحية اليومية”.
- توفر زجاجات عملية تحافظ على برودة الماء لساعات طويلة.
لماذا يحتاج الجسم إلى الماء أساساً؟
ويؤدي الماء أدواراً أساسية لا يمكن للجسم الاستغناء عنها، منها:
- تنظيم درجة حرارة الجسم.
- نقل العناصر الغذائية إلى الخلايا.
- المساعدة في التخلص من الفضلات عبر الكلى.
- دعم وظائف الدماغ والتركيز.
- الحفاظ على مرونة المفاصل.
- المساهمة في عملية الهضم.
ولهذا السبب، فإن فقدان نسبة بسيطة من سوائل الجسم قد يؤدي إلى أعراض مثل الصداع، والخمول، وضعف التركيز، وجفاف الفم، خاصة في الأجواء الحارة أو عند ممارسة النشاط البدني.
لكن هذا لا يعني أن الجميع يحتاج إلى شرب الكمية نفسها من الماء يومياً، فاحتياجات الجسم تختلف من شخص لآخر وفق العمر، والوزن، والمناخ، ومستوى النشاط البدني، والنظام الغذائي.
هل يجب أن نشرب 8 أكواب يومياً؟
ربما تكون هذه النصيحة هي الأشهر في عالم التغذية، لكنها ليست قاعدة علمية ثابتة تنطبق على جميع الناس.
فبحسب خبراء التغذية، يحصل الجسم أيضاً على جزء من احتياجاته اليومية من السوائل عبر الأطعمة مثل الفواكه والخضراوات، إضافة إلى المشروبات الأخرى.
كما أن الشعور بالعطش يظل في معظم الحالات آلية طبيعية يعتمد عليها الجسم للتنبيه إلى الحاجة لشرب الماء، مع وجود استثناءات مثل كبار السن، وبعض المرضى، والرياضيين الذين قد يحتاجون إلى متابعة كمية السوائل بشكل أكبر.
لذلك، فإن التركيز على الحفاظ على ترطيب مناسب للجسم أهم من الالتزام برقم موحد للجميع.
هل يمنح شرب الماء بشرة أكثر نضارة؟
لكن الحقيقة أكثر تعقيداً.
تشير الأبحاث إلى أن الحفاظ على ترطيب الجسم يساعد الجلد على أداء وظائفه الطبيعية، وقد يحسن مرونة البشرة لدى بعض الأشخاص، خصوصاً إذا كانوا يعانون من نقص في السوائل. إلا أن الأدلة العلمية لا تدعم فكرة أن شرب كميات إضافية من الماء سيحول البشرة الجافة إلى بشرة مثالية أو يمحو التجاعيد.
ويرى أطباء الجلد أن نضارة البشرة تعتمد على عوامل عديدة، منها:
- النوم الكافي.
- استخدام واقي الشمس.
- التغذية المتوازنة.
- العناية المناسبة بالبشرة.
- العوامل الوراثية.
بمعنى آخر، الماء عنصر مهم، لكنه ليس “الحل السحري” الذي يصوره البعض.
هل يساعد شرب الماء على خسارة الوزن؟
تشير الدراسات إلى أن شرب الماء قبل الوجبات قد يساعد بعض الأشخاص على الشعور بالشبع، ما قد يؤدي إلى تناول سعرات حرارية أقل، خاصة عند البالغين ومتوسطي العمر وكبار السن.
كما أن استبدال المشروبات المحلاة بالماء يقلل كمية السكر والسعرات المستهلكة يومياً، وهو ما ينعكس إيجاباً على التحكم بالوزن.
لكن شرب الماء وحده، من دون تغيير النظام الغذائي أو زيادة النشاط البدني، لن يؤدي إلى خسارة الوزن بشكل ملحوظ.
هل يمكن أن يؤدي شرب الماء بكثرة إلى أضرار؟
قد يبدو الأمر غريباً، لكن نعم.
فعلى الرغم من أن الجفاف يشكل خطراً على الصحة، فإن الإفراط في شرب الماء خلال فترة قصيرة قد يؤدي في حالات نادرة إلى انخفاض مستوى الصوديوم في الدم، وهي حالة تُعرف باسم نقص صوديوم الدم.
وتحدث هذه الحالة غالباً لدى:
- رياضيي التحمل الذين يشربون كميات كبيرة جداً من الماء دون تعويض الأملاح.
- بعض المرضى الذين يعانون من اضطرابات معينة.
- الأشخاص الذين يجبرون أنفسهم على شرب الماء بكميات مفرطة خلال وقت قصير.
وقد تشمل الأعراض:
- الغثيان.
- الصداع.
- التشوش الذهني.
- وفي الحالات الشديدة قد تصبح الحالة طبية طارئة.
لذلك ينصح الخبراء بالاعتماد على احتياجات الجسم، مع زيادة السوائل عند الحر، أو ممارسة الرياضة، أو الإصابة بالحمى، بدلاً من شرب كميات كبيرة دون داعٍ.
لماذا أصبحت زجاجات المياه الفاخرة تحقق مبيعات قياسية؟
ففي السنوات الأخيرة، تحولت زجاجات المياه القابلة لإعادة الاستخدام إلى منتج يجمع بين الوظيفة والأناقة، وأصبحت بعض العلامات التجارية تحقق مبيعات بمليارات الدولارات حول العالم.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب:
- الحفاظ على برودة أو حرارة المشروبات لساعات طويلة.
- تقليل استخدام العبوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.
- تنوع التصاميم والألوان.
- انتشارها عبر المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي.
- اعتبارها جزءاً من نمط الحياة الصحي.
وبالنسبة لكثيرين، لم تعد زجاجة الماء مجرد أداة للشرب، بل أصبحت قطعة يستخدمونها يومياً في العمل، والنادي، والسفر، وحتى أثناء التنزه.
الخلاصة.. الترطيب عادة صحية.. لكن الاعتدال هو الأساس
قد يكون انتشار زجاجات المياه في كل مكان دليلاً على تزايد الوعي الصحي، لكنه لا يعني أن الجميع يحتاج إلى شرب الكمية نفسها من الماء.
فالعلم يشير إلى أن احتياجات الجسم تختلف من شخص لآخر، وأن أفضل نهج هو الحفاظ على ترطيب مناسب وفق العمر، والنشاط البدني، والظروف المناخية، مع الانتباه لإشارات الجسم الطبيعية.
وفي النهاية، فإن حمل زجاجة ماء قد يكون عادة بسيطة، لكنها تساعد كثيرين على تذكر شرب الماء بانتظام، وتقليل استهلاك العبوات البلاستيكية، وتبني نمط حياة أكثر استدامة.
