فجأة، امتلأت صفحات المشاهير بشعر أكثر كثافة، وأكتاف أعرض، وألوان صارخة، ومكياج واضح وصور تبدو كأنها خرجت من ألبوم عائلي عمره أكثر من أربعة عقود.
لكن معظم هذه الصور لم تُلتقط في الثمانينيات أصلاً.
خلال ساعات، تحول ترند «صورتك في الثمانينيات» إلى واحدة من أكثر موجات الصور تداولاً على مواقع التواصل، بعدما بدأ المستخدمون ونجوم الفن في رفع صورهم الحديثة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي وطلب إعادة تخيلهم كما لو أنهم عاشوا تلك الحقبة. والنتيجة لم تكن مجرد فلتر قديم، بل إعادة بناء شبه كاملة للشخصية: الشعر، الملابس، المكياج، الإضاءة، الخلفية وحتى طريقة التصوير.

هنا الزاهد.. واحدة من أكثر صور الترند تداولاً

كانت هنا الزاهد بين الأسماء التي لفتت الأنظار في الموجة الجديدة، بعدما ظهرت في نسخة ثمانينية بشعر كثيف ومرفوع، وأقراط ذهبية كبيرة وسترة وردية ذات أكتاف بارزة، وهي تفاصيل أصبحت تقريباً توقيعاً بصرياً للترند.
واللافت أن الصورة لا تبدو كأنها «فلتر» بسيط أضيف إلى وجهها، بل كلقطة مصممة من الصفر وفق القواعد الجمالية للثمانينيات؛ من حجم الشعر إلى بناء الملابس والإضاءة.
وقد أكدت أكثر من تغطية حديثة مشاركة هنا الزاهد في الترند إلى جانب مجموعة كبيرة من النجوم.
أحمد السقا والعوضي وعز.. النجوم يدخلون اللعبة

لم تبق الموجة محصورة بالنجمات.
فقد شارك أحمد السقا وأحمد العوضي وأحمد فهمي في الترند، إلى جانب رامي رضوان ودياب وأسماء أخرى، لتتحول صفحات المشاهير إلى ما يشبه ألبوماً افتراضياً لنجوم من زمن آخر.


الممثل أحمد فهمي تعامل مع الموجة بسخرية وكتب تعليقاً يشير إلى أن الجميع أصبحوا فجأة بهذا الشكل، بينما علق أحمد السقا بإيموجي قلبين، في حين كتب أحمد العوضي أن «التايم لاين كله» أصبح يعيش الحالة نفسها.

المفارقة أن بعض الصور بدت مقنعة إلى درجة تجعل المشاهد يحتاج إلى لحظة ليتذكر أن أصحابها لم يكونوا بهذه الأعمار أصلاً خلال تلك الفترة.
بلقيس وهيا عبدالسلام وشذى حسون.. الثمانينيات تتوسع عربياً




الترند لم يبق مصرياً أيضاً.
بلقيس فتحي وهيا عبدالسلام وشيلاء سبت ومريم حسين وفاطمة الصفي وهنا شيحا وأميرة محمد وهبة الدري وجميلة البدوي شاركن بالترند، ما نقل الموجة سريعاً من صفحات النجوم المصريين إلى مساحة عربية أوسع.

واختارت بعض النجمات التعامل مع الفكرة كرحلة حقيقية بين العقود. ففاطمة الصفي قدمت نفسها عبر أكثر من حقبة، بينما علقت شيلاء سبت بعبارة «قديمك نديمك»، في إشارة مباشرة إلى الحنين الذي يقوم عليه الترند.
مي سليم ومي حميدان ودانا حمدان.. صورة واحدة وثلاث نسخ من الماضي

ومن أكثر المشاركات لفتاً للانتباه، الصورة التي جمعت الشقيقات مي سليم ومي حميدان ودانا حمدان.
بدلاً من أن تخوض كل واحدة التجربة بمفردها، ظهرت الشقيقات الثلاث وكأن الصورة التقطت لهن بالفعل في جلسة قديمة، في مثال واضح على قدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على إعادة بناء ليس الوجه وحده، بل العلاقة والمشهد وطريقة الوقوف والأسلوب البصري كاملاً.
وهنا تحديداً يصبح الترند مختلفاً عن فلاتر السنوات الماضية؛ لأنه لا يغيّر ملامح الوجه فقط، وإنما يصنع نسخة بديلة من الماضي.
لكن ليس كل من شارك استخدم الذكاء الاصطناعي
وهذه إحدى أكثر التفاصيل طرافة في الموجة.
ففي الوقت الذي احتاج فيه بعض النجوم إلى الذكاء الاصطناعي ليتخيلوا شكلهم في الثمانينيات، كان آخرون قادرين ببساطة على فتح ألبوماتهم القديمة.
فقدت نشرت فواز صورة حقيقية لها تعود إلى تلك الحقبة، بينما اختارت إسعاد يونس أيضاً صورة حقيقية من تلك الفترة بدلاً من نسخة مصنوعة رقمياً. كما استعان بعض الفنانين بصور قديمة من أعمالهم السابقة بدلاً من توليد صور جديدة.


وهكذا انقسم الترند عملياً إلى فئتين: نجوم أعادهم الذكاء الاصطناعي إلى زمن لم يعيشوه بالشكل الذي ظهروا به، ونجوم امتلكوا بالفعل صوراً من ذلك الزمن.
لماذا تبدو الصور مقنعة إلى هذه الدرجة؟
السر ليس في إضافة طبقة من «اللون القديم» على الصورة.
الأدوات الحديثة قادرة على تحليل الملامح الرئيسية للشخص ثم إعادة بناء المشهد وفق وصف زمني محدد. وعند طلب «صورة من الثمانينيات»، يمكن للنموذج أن يغيّر تسريحة الشعر، شكل الملابس، الإكسسوارات، الخلفيات، الإضاءة والألوان وطبيعة الصورة نفسها، مع محاولة الاحتفاظ بالملامح التي تجعل الشخص قابلاً للتعرف عليه.
لهذا ظهرت في الصور عناصر متكررة: الشعر الضخم، السترات ذات الأكتاف المحددة، الأقراط الكبيرة، الألوان القوية، القمصان المزخرفة واللمسة الفوتوغرافية التي تحاكي أفلام الكاميرات القديمة.
الذكاء الاصطناعي لا «يعرف» كيف كان هذا الشخص تحديداً سيبدو قبل أربعين عاماً؛ بل يبني تصوراً اعتماداً على الأنماط البصرية المرتبطة بتلك الحقبة.
صورة حديثة.. لكن بروح ألبوم قديم
ما جعل الترند ينتشر بهذه السرعة هو أن الصور لا تعتمد فقط على الأزياء.
حتى الخلفيات تلعب دوراً أساسياً: أثاث قديم، ستائر، شوارع ومقاهٍ تبدو من حقبة سابقة، ألوان دافئة أو باهتة، وإضاءة تذكّر بصور الاستوديوهات والألبومات المنزلية.
وهذا ما يمنح الصورة شعوراً غريباً بالألفة؛ تبدو جديدة تماماً، ومع ذلك يشعر المشاهد بأنه سبق أن رأى شيئاً يشبهها داخل ألبوم عائلي قديم.
هذه الصورة ليست لأحد نجوم الترند الحاليين، لكنها مثال واضح على الأسلوب البصري الذي تستطيع مولدات الصور استخدامه لمحاكاة أجواء الثمانينيات وبداية التسعينيات.
لماذا الثمانينيات تحديداً؟
لأنها حقبة يسهل التعرف إليها بصرياً في ثانية واحدة تقريباً.
الشعر لم يكن هادئاً، والأكتاف لم تكن صغيرة، والإكسسوارات لم تكن خجولة. وحتى الصور العائلية كانت تحمل شخصية مختلفة نتيجة نوع الأفلام والكاميرات والإضاءة المستخدمة وقتها.
وهذا يجعل الثمانينيات مادة مثالية للذكاء الاصطناعي: هناك مجموعة كبيرة من العلامات البصرية الواضحة التي يمكن للنموذج جمعها في صورة واحدة، فيشعر المستخدم فوراً بأنه انتقل أربعين عاماً إلى الوراء.
وفي الوقت نفسه، هناك عنصر آخر لا يقل أهمية: النوستالجيا.
فالترند يتيح لمن عاش تلك السنوات استعادة جزء من ذكرياته، بينما يمنح الأجيال الأصغر فرصة لرؤية نسخة متخيلة من أنفسهم داخل زمن يعرفونه من الأفلام والأغنيات وصور آبائهم، لكنهم لم يعيشوه فعلياً.
كيف يصنع المستخدم صورته في الثمانينيات؟
الموجة الحالية انتشرت أيضاً لأن تنفيذها لا يحتاج إلى مهارات تعديل احترافية.
بحسب التغطيات المنشورة، يستطيع المستخدم رفع صورة واضحة إلى أداة تدعم إنشاء الصور بالذكاء الاصطناعي، مثل ChatGPT أو Google Gemini، ثم يطلب ببساطة إعادة تخيله في الثمانينيات. ويمكن زيادة دقة النتيجة بتحديد نوع الملابس وتسريحة الشعر والمكياج والمكان والإضاءة، مع طلب الحفاظ على الملامح الأساسية للوجه.
وكلما كان الوصف أكثر تحديداً، أصبحت النتيجة أقل شبهاً بـ«زي تنكري» وأكثر شبهاً بصورة يفترض أنها التقطت بالفعل قبل عقود.
المشكلة الوحيدة.. عندما يصبح الماضي أكثر إقناعاً من الحقيقة
من الناحية الترفيهية، لا يتجاوز الترند لعبة بصرية ممتعة. لكنه يمثل أيضاً مثالاً واضحاً على المرحلة التي وصلت إليها الصور المصنوعة بالذكاء الاصطناعي.
قبل سنوات قليلة، كانت صور الذكاء الاصطناعي تكشف نفسها سريعاً بسبب أخطاء الوجه واليدين والخلفيات. أما الآن، فبعض الصور المتداولة تبدو طبيعية بما يكفي كي يظن المشاهد للوهلة الأولى أنها صور أرشيفية حقيقية.
ولهذا يصبح السياق مهماً، خصوصاً عند تداول صور المشاهير خارج المنشور الأصلي؛ فالصورة التي بدأت كلعبة تحت عنوان «كيف كنت سأبدو في الثمانينيات؟» يمكن أن تتحول بعد إعادة النشر إلى «صورة قديمة نادرة» لا علاقة لها بالواقع.
من الترند إلى هوية رقمية جديدة
ورغم أن الموجة تبدو بسيطة، فإنها تكشف تغيراً أكبر في علاقة المشاهير بصورهم.
لم يعد النجم مضطراً إلى انتظار جلسة تصوير أو تجربة أزياء جديدة ليرى نفسه بشخصية مختلفة. صورة واحدة أصبحت كافية لإرساله إلى الثمانينيات أو الخمسينيات أو حتى إلى زمن لم يوجد فيه أصلاً.
لهذا لم يكن انتشار «صورتك في الثمانينيات» متعلقاً بالحنين وحده. جزء من جاذبيته يأتي من الفضول: كيف كنت سأبدو لو وُلدت في زمن آخر؟
والذكاء الاصطناعي، بدلاً من الإجابة بالكلمات، أصبح يقدم صورة تبدو أحياناً أقرب إلى ذكرى حقيقية منها إلى خيال رقمي.
