يوم كامل في السرير، الهاتف في اليد، طلب الطعام يصل إلى الباب، وحلقات المسلسل تتوالى واحدة بعد أخرى. لا مرض ولا حرارة ولا حتى محاولة حقيقية للنوم، بل قرار متعمد بألا تغادر السرير إلا للضرورة.
هذا السلوك أصبح يُعرف باسم Bed Rotting أو «تعفّن السرير»، وتحول خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر مصطلحات جيل Z تداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد يبدو الاسم وكأنه يصف اضطراباً جديداً، حتى إن البعض بات يطلق عليه «مرض جيل Z». لكن الحقيقة مختلفة: تعفّن السرير ليس مرضاً ولا تشخيصاً طبياً، بل مصطلح لوصف قضاء ساعات طويلة مستيقظاً في السرير، غالباً بهدف الانسحاب مؤقتاً من ضغط الحياة والمسؤوليات.
والمثير أن الظاهرة لم تعد مجرد «ترند تيك توك». أرقام حديثة تكشف أن نسبة لافتة من شباب جيل Z تقول إنها جرّبتها بالفعل.
ما هو «تعفّن السرير» بالضبط؟

دخل مصطلح Bed Rotting إلى الاستخدام الشائع عام 2023، وانتشر سريعاً عبر تيك توك. ثم وصل إلى القواميس؛ إذ يعرّفه Dictionary.com بأنه قضاء ساعات طويلة في السرير خلال النهار، غالباً مع الطعام أو الأجهزة الإلكترونية، باعتباره انسحاباً اختيارياً من النشاط أو الضغط.
ولا يعني «تعفّن السرير» النوم طوال اليوم. في الواقع، قد يقضي الشخص معظم هذه الساعات مستيقظاً، يتصفح تيك توك وإنستغرام، أو يشاهد الأفلام والمسلسلات، أو يلعب، أو يقرأ، أو يتناول الطعام.
الفكرة الأساسية هي عدم فعل شيء يتطلب جهداً أو إنتاجية.
ولهذا وجد المصطلح طريقه سريعاً إلى ثقافة جيل اعتاد سماع عبارات مثل «كن منتجاً»، و«استثمر وقتك»، و«ابدأ مشروعاً جانبياً»، و«لا تضيع يومك». فجاء Bed Rotting ليقدم العكس تماماً: لن أفعل شيئاً اليوم، ولن أشعر بالذنب حيال ذلك.
هل هو بالفعل «مرض جيل Z»؟

ليس طبياً، لكنه يرتبط بجيل Z أكثر من الأجيال الأكبر سناً.
ففي استطلاع أجرته الأكاديمية الأميركية لطب النوم عام 2025، قال 31% من أفراد جيل Z المشاركين إنهم جربوا «تعفّن السرير». وفي المقابل، لم تتجاوز النسبة 5% لدى الأميركيين بعمر 65 عاماً فأكثر.
واللافت أن النسبة ارتفعت مقارنة باستطلاع الأكاديمية في العام السابق. ففي 2024، قال 24% من أفراد جيل Z إنهم مارسوا هذا السلوك، بينما كان أفراد هذا الجيل أيضاً الأكثر تجربة لترندات النوم المنتشرة عبر مواقع التواصل.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن 31% من جيل Z يعانون مشكلة صحية، ولا تثبت أن الظاهرة تزداد عالمياً بالوتيرة نفسها. فالاستطلاعات أميركية، و«تعفّن السرير» يظل سلوكاً واسع التعريف، قد يعني ساعات قليلة لدى شخص ويوماً كاملاً لدى آخر.
الأدق إذاً أن نقول إنه ترند ارتبط بقوة بجيل Z، وليس مرضاً خاصاً به.
لماذا يريد الشباب قضاء يوم كامل في السرير؟

لفهم جاذبية الفكرة، يجب النظر إلى الطريقة التي يقدمها بها مستخدمو مواقع التواصل.
فهم لا يسمونه كسلاً، بل راحة.
بالنسبة إلى كثيرين، يأتي «تعفّن السرير» بعد أسبوع طويل من العمل أو الدراسة، وكأنه يوم لإيقاف كل شيء. لا تمارين رياضية، ولا ترتيب للمنزل، ولا خطط اجتماعية، ولا قائمة مهام يجب إنهاؤها.
وتشير Sleep Foundation إلى أن عدداً من مستخدمي جيل Z على تيك توك يقدمون الظاهرة باعتبارها وسيلة للتعافي من الإرهاق وتجنب الاحتراق النفسي، رغم أن Bed Rotting نفسه لم يخضع حتى الآن لدراسات مباشرة كافية تثبت هذه الفوائد.
وهذه نقطة مهمة. فالشعور بأن يوماً في السرير «أعاد شحن الطاقة» تجربة شخصية، لكنه لا يعني أن الطب يوصي بالظاهرة كعلاج للإرهاق أو الضغط النفسي.
المشكلة ليست في يوم كسول
قضاء بضع ساعات إضافية في السرير بعد أسبوع مرهق ليس كارثة صحية، ولا يحتاج كل شخص يحب النوم في عطلة نهاية الأسبوع إلى القلق.
حتى الأطباء يفرقون بين الراحة المقصودة والمؤقتة وبين تحول السرير إلى ملاذ دائم من الحياة اليومية.
وتوضح Cleveland Clinic أن الاستراحة أحياناً قد تمنح الجسم والعقل فرصة للتعافي من الضغط. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول Bed Rotting إلى عادة متكررة، أو يصبح وسيلة لتجنب الدراسة أو العمل أو المشكلات الشخصية.
بمعنى آخر، ليست القضية أن تقضي صباح السبت في السرير. السؤال الأهم هو: هل تستطيع النهوض عندما تريد، أم أصبحت تلجأ إلى السرير كلما واجهت ضغطاً أو مشكلة؟
لماذا لا يحب أطباء النوم هذه العادة؟
هنا تصبح القصة أكثر وضوحاً.
من المبادئ الأساسية في علاج الأرق أن يحافظ الدماغ على ارتباط قوي بين السرير والنوم. ولهذا تشجع إرشادات النوم الأشخاص على تجنب قضاء فترات طويلة مستيقظين في السرير.
أما Bed Rotting فيفعل العكس تقريباً. فالسرير يصبح مكاناً لتصفح الهاتف، ومشاهدة المسلسلات، وتناول الطعام، والتحدث، وربما العمل أيضاً.
وحذرت الأكاديمية الأميركية لطب النوم من أن قضاء فترات طويلة في السرير لأنشطة غير النوم قد يضر بصحة النوم. كما قد تكون له آثار نفسية سلبية عندما يُستخدم للهروب المستمر من القلق أو تحديات الحياة.
وتشير Cleveland Clinic أيضاً إلى أن تحويل هذا السلوك إلى عادة قد يضعف عادات النوم الجيدة، خصوصاً لدى من يعانون أصلاً من الأرق.
المفارقة إذاً أن يوم «الراحة» قد ينتهي أحياناً بجعلك أقل استعداداً للنوم عندما يحين الليل.
الهاتف جزء أساسي من القصة
من الصعب فصل «تعفّن السرير» الحديث عن الهاتف.
قبل عشرين عاماً، كان قضاء يوم كامل في السرير يعني أن الخيارات ستنفد سريعاً. أما الآن، فيمكن للشخص أن يبقى مكانه لساعات من دون أن ينفد ما يفعله.
تيك توك يقدم الفيديو التالي تلقائياً. ومنه ننتقل إلى إنستغرام، ثم مسلسل، ثم طلب طعام، ثم رسائل الأصدقاء، ثم العودة إلى الفيديوهات.
وبذلك لا يكون الشخص في راحة كاملة، ولا هو نائم فعلاً. جسده ثابت، لكن انتباهه يتلقى محتوى جديداً باستمرار.
ولهذا تفرق نصائح المختصين بين الاسترخاء الحقيقي وبين قضاء اليوم في التمرير اللانهائي للشاشة. فالهدف من الراحة أن يشعر الشخص بأنه أفضل بعدها، وليس أن يخرج منها أكثر إرهاقاً وأقل تركيزاً.
وماذا يفعل البقاء الطويل في السرير بالجسم؟
اسم «تعفّن السرير» مبالغ فيه بالطبع، ولن «يتعفن» الجسم بسبب يوم واحد تحت الأغطية.
لكن الجسم البشري ليس مصمماً للبقاء بلا حركة لساعات طويلة بصورة متكررة.
قد يؤدي البقاء في الوضعية نفسها لفترات طويلة إلى تيبس المفاصل وآلام الظهر والرقبة والوركين. ويصبح الأمر أكثر أهمية عندما يحل الاستلقاء المستمر محل الحركة والنشاط اليومي.
لكن يجب عدم المبالغة هنا أيضاً. المخاطر المعروفة لقلة الحركة ترتبط أساساً بالخمول المتكرر والمستمر، وليس بيوم واحد قرر فيه شخص سليم أن يشاهد مسلسله المفضل في السرير.
متى لا يعود الأمر مجرد «ترند»؟
هذه ربما أهم نقطة في الموضوع.
الرغبة في الراحة لا تعني الإصابة بالاكتئاب. كما أن البقاء في السرير يوماً واحداً لا يكشف وحده عن مشكلة نفسية.
لكن إذا أصبح الشخص يبقى في السرير باستمرار لأنه يشعر بأنه غير قادر على النهوض، فهنا تتغير الصورة.
وتشير Cleveland Clinic إلى ضرورة الانتباه عندما يصبح السلوك وسيلة منتظمة لتجنب شيء ما، أو عندما يشعر الشخص بأنه غير قادر جسدياً أو عاطفياً على مغادرة السرير.
ويصبح الأمر أكثر أهمية إذا ترافق مع تغييرات مستمرة في المزاج، أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، أو الانسحاب الاجتماعي، أو اضطرابات واضحة في النوم والحياة اليومية.
في هذه الحالة، المشكلة ليست «Bed Rotting» في حد ذاته. السلوك قد يكون مجرد إشارة إلى شيء آخر يحتاج إلى الانتباه.
راحة حقيقية أم هروب مؤقت؟

ربما يكشف انتشار «تعفّن السرير» شيئاً أكبر من مجرد حب جيل Z للبقاء تحت الأغطية.
فالترند يعكس أيضاً تغيراً في طريقة الحديث عن الراحة. هناك جيل أصبح أكثر صراحة في القول إنه متعب، ولا يريد تحويل كل دقيقة من يومه إلى إنجاز.
وهذا بحد ذاته ليس شيئاً سلبياً.
المشكلة تظهر عندما تصبح الراحة مرادفاً للانسحاب الكامل. فهناك فرق بين أن تمنح نفسك وقتاً هادئاً، وبين أن تصبح غير قادر على العودة إلى روتينك بعده.
وقد يكون اختبار بسيط مفيداً: إذا انتهى اليوم وشعرت بأنك أكثر نشاطاً واستعداداً للحياة، فمن المرجح أنك كنت تحتاج إلى استراحة. أما إذا ازداد شعورك بالخمول وأصبحت فكرة مغادرة السرير أصعب، فقد لا تكون هذه الراحة التي كنت تبحث عنها.
«تعفّن السرير» ليس مرضاً.. فلماذا انتشر بهذا الشكل؟
لأن الاسم مثالي لعصر مواقع التواصل.
إنه غريب، ومبالغ فيه، ويسهل تحويله إلى فيديو وهاشتاغ. والأهم أنه يمنح اسماً لسلوك يعرفه كثيرون أصلاً.
وقد أصبح المصطلح واسع الانتشار إلى درجة أن Dictionary.com أضافه إلى قاموسه في 2024، بعد تسجيل استخدامه بالمعنى الحالي منذ 2023. كما أصبح مدرجاً في قاموس Cambridge بوصفه مصطلحاً غير رسمي لقضاء وقت طويل في السرير نهاراً أثناء الاستيقاظ.
لكن شهرته لا تحوله إلى تشخيص طبي، تماماً كما أن انتشار اسم سلوك على تيك توك لا يجعله مرضاً جديداً.
«تعفّن السرير» قد يكون مجرد يوم كسول يحتاجه شخص مرهق، وقد يتحول لدى شخص آخر إلى عادة غير صحية. الفرق لا يصنعه اسم الترند، بل السبب وراء البقاء في السرير وما إذا كان الشخص يستطيع العودة إلى حياته بعده.
وهنا ربما يكون السؤال الأهم ليس: هل تمارس Bed Rotting؟
بل: هل السرير يمنحك الراحة.. أم أصبح المكان الذي تهرب إليه من كل شيء؟