اكتئاب ما بعد المونديال… لماذا يشعر ملايين المشجعين بالفراغ بعد انتهاء كأس العالم؟

اكتئاب ما بعد المونديال.. هل هو شعور طبيعي أم مشكلة نفسية؟

مع إسدال الستار على كأس العالم 2026، عاد الهدوء إلى الملاعب، وانخفضت وتيرة الأخبار الرياضية، واختفت المباريات التي كانت تشغل ساعات المساء طوال شهر كامل. لكن بالنسبة إلى كثير من المشجعين، لم تكن صافرة النهاية مجرد إعلان تتويج بطل جديد، بل كانت بداية شعور غريب بالفراغ، دفع الآلاف إلى مشاركة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون فيها عن اكتئاب ما بعد المونديال.

ورغم أن المصطلح يتكرر بعد كل نسخة من كأس العالم، فإنه ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، بل وصف شائع لحالة يشعر فيها بعض المشجعين بانخفاض الحماس بعد انتهاء البطولة. ويرى مختصون في علم النفس أن هذا الإحساس مفهوم ومتوقع، لأن الإنسان بطبيعته يتأثر بانتهاء الأحداث الكبيرة التي كانت تشكل جزءًا من روتينه اليومي.

لماذا يشعر البعض بالحزن بعد انتهاء كأس العالم؟

قد يبدو الأمر غريبًا لمن لا يتابع كرة القدم، لكن بالنسبة إلى ملايين الأشخاص، يتحول كأس العالم إلى أكثر من مجرد بطولة رياضية. فخلال أسابيع المونديال، تتغير مواعيد النوم، وتُرتب اللقاءات العائلية والأصدقاء وفق جدول المباريات، وتمتلئ وسائل التواصل بالنقاشات والتحليلات، فيما يصبح انتظار المباراة التالية جزءًا من الروتين اليومي.

عندما ينتهي هذا الإيقاع فجأة، يفقد الدماغ مصدرًا مستمرًا للإثارة والترقب، وهو ما يفسر شعور البعض بأن الأيام أصبحت أكثر هدوءًا أو أقل حماسًا مقارنة بما كانت عليه قبل أيام فقط.

ويؤكد علماء النفس أن هذه الاستجابة ليست مرتبطة بكرة القدم وحدها، بل يمكن أن تحدث بعد انتهاء أي حدث استثنائي استمر لفترة طويلة، مثل الألعاب الأولمبية، أو الإجازات السنوية، أو حتى بعد الانتهاء من مشاهدة مسلسل تابع الشخص أحداثه يوميًا لأسابيع.

ماذا يحدث داخل الدماغ؟

يشرح مختصون أن الدماغ يفرز مواد كيميائية مثل الدوبامين عند توقع الأحداث الممتعة، وليس فقط عند حدوثها. ولهذا السبب، فإن انتظار مباراة مهمة، أو معرفة نتائج المنتخبات، أو متابعة المنافسة على اللقب، كلها أنشطة تمنح شعورًا بالحماس حتى قبل انطلاق المباراة.

ومع انتهاء البطولة، يتوقف هذا النمط اليومي من الترقب بشكل مفاجئ، فينخفض مستوى الإثارة الذي اعتاد عليه الشخص خلال الأسابيع السابقة، وهو ما قد يفسر الشعور المؤقت بالملل أو الفراغ.

لكن هذا لا يعني أن الشخص مصاب بالاكتئاب، إذ إن معظم المشجعين يعودون تدريجيًا إلى حياتهم الطبيعية خلال أيام قليلة، بمجرد استئناف أعمالهم وأنشطتهم اليومية.

ليس كل من يشعر بالحزن مصابًا بالاكتئاب

من أكثر الأخطاء شيوعًا استخدام كلمة “اكتئاب” لوصف أي شعور بالحزن. وفي الواقع، يفرق الأطباء النفسيون بوضوح بين الاكتئاب السريري وبين انخفاض المزاج المؤقت الذي قد يحدث بعد انتهاء مناسبة أو حدث كان ينتظره الشخص.

فالاكتئاب السريري هو اضطراب نفسي له معايير تشخيصية محددة، ويستمر عادة لأكثر من أسبوعين، ويؤثر في النوم والشهية والتركيز والقدرة على ممارسة الحياة اليومية.

أما اكتئاب ما بعد المونديال فهو تعبير إعلامي شائع يصف حالة مؤقتة من الحنين أو انخفاض الحماس، ولا يُعد مرضًا نفسيًا بحد ذاته.

ولذلك، فإن الشعور ببعض الحزن بعد انتهاء كأس العالم لا يدعو إلى القلق، ما دام يختفي تدريجيًا مع العودة إلى الروتين المعتاد.

لماذا يبدو تأثير المونديال أكبر من أي بطولة أخرى؟

رغم وجود بطولات كروية تُقام كل عام، فإن كأس العالم يحتل مكانة مختلفة لدى الجمهور. فالحدث لا يتكرر سوى مرة واحدة كل أربع سنوات، ما يجعله مرتبطًا بقدر كبير من الترقب والانتظار. وخلال فترة البطولة، تتحول المباريات إلى حديث يومي في المنازل وأماكن العمل ومواقع التواصل الاجتماعي، حتى بين أشخاص لا يتابعون كرة القدم بشكل منتظم.

كما أن المونديال لا يجمع المشجعين حول المنافسة الرياضية فقط، بل يصنع ذكريات مشتركة. فهناك من يتذكر النسخة التي شاهدها مع والده، وآخر يربطها برحلة أو مناسبة عائلية، بينما يحتفظ كثيرون بلقطات معينة أو أهداف تاريخية بقيت عالقة في أذهانهم لسنوات. ولهذا، فإن انتهاء البطولة قد يترك شعورًا بأن فترة مميزة قد انتهت بالفعل.

لماذا يتأثر بعض الأشخاص أكثر من غيرهم؟

لا يعيش جميع المشجعين تجربة اكتئاب ما بعد المونديال بالدرجة نفسها. ويشير مختصون في علم النفس إلى أن حجم التأثر يعتمد على طبيعة الشخص ومدى اندماجه في الحدث.

فالمشجع الذي يتابع جميع المباريات، ويقرأ الأخبار يوميًا، ويشارك في النقاشات والتوقعات، غالبًا ما يشعر بفراغ أكبر مقارنة بمن يشاهد المباريات النهائية فقط. كما أن الأشخاص الذين يعتمدون على الأحداث الرياضية كوسيلة للترفيه أو للهروب من ضغوط الحياة اليومية قد يلاحظون هذا الشعور بصورة أوضح بعد انتهاء البطولة.

وفي المقابل، قد لا يشعر آخرون بأي تغيير يُذكر، لأن كرة القدم لا تشكل جزءًا أساسيًا من روتينهم اليومي.

هل تحدث هذه الظاهرة بعد أحداث أخرى؟

الإجابة نعم.

يؤكد علماء النفس أن الشعور بانخفاض الحماس بعد انتهاء حدث كبير لا يقتصر على كأس العالم. فقد يمر بعض الأشخاص بالحالة نفسها بعد انتهاء الألعاب الأولمبية، أو بعد العودة من إجازة طويلة، أو بعد حفلات موسيقية كبرى، أو حتى بعد الانتهاء من مسلسل تابعوه لأسابيع. ويُطلق على هذه الحالة أحيانًا اسم Post-Event Blues، أي الشعور بالفراغ بعد انتهاء حدث كان يشغل جزءًا كبيرًا من الوقت والاهتمام.

ويرى المختصون أن السبب لا يعود إلى الحدث نفسه، بل إلى التغير المفاجئ في نمط الحياة. فعندما يختفي النشاط الذي اعتاد عليه الشخص يوميًا، يحتاج الدماغ إلى بعض الوقت للتكيف مع الروتين الجديد.

كيف يمكن تجاوز الشعور بالفراغ؟

لا يحتاج معظم الأشخاص إلى أي علاج، لأن هذا الشعور يكون مؤقتًا ويختفي تدريجيًا. ومع ذلك، ينصح مختصون باتباع بعض الخطوات البسيطة التي تساعد على استعادة النشاط بسرعة، منها:

  • العودة إلى مواعيد النوم والاستيقاظ المعتادة.
  • ممارسة الرياضة أو المشي يوميًا، لما لذلك من أثر إيجابي على المزاج.
  • تقليل الوقت الذي يُقضى في إعادة مشاهدة المباريات أو مقارنة الأجواء الحالية بأيام المونديال.
  • استغلال الوقت في هواية مؤجلة أو نشاط اجتماعي جديد.
  • متابعة البطولات الرياضية المقبلة دون جعلها بديلًا مباشرًا عن أجواء كأس العالم.

هذه الخطوات لا تهدف إلى “نسيان” البطولة، بل إلى إعادة التوازن تدريجيًا للحياة اليومية بعد فترة مليئة بالإثارة والترقب.

الخلاصة

قد يبدو مصطلح اكتئاب ما بعد المونديال مبالغًا فيه، لكنه يعكس شعورًا حقيقيًا يمر به عدد من المشجعين بعد انتهاء أكبر حدث كروي في العالم. ومع ذلك، يوضح المختصون أن هذا الإحساس يختلف تمامًا عن الاكتئاب السريري، إذ يكون مؤقتًا ويرتبط بانتهاء تجربة استثنائية اعتاد عليها الشخص لعدة أسابيع.

وبعد أن تهدأ أجواء كأس العالم 2026، تبدأ كرة القدم فصلًا جديدًا مع البطولات المحلية والقارية، بينما يبقى المونديال ذكرى تحمل لحظات لا تُنسى، وتبدأ معها رحلة انتظار النسخة المقبلة.

قد يعجبك ايضا