شراء الوقت في عصر السرعة.. لماذا تفضّل الشركات الكبرى الشراء على البناء؟

نادراً ما تنتظر الشركات الكبرى سنوات لبناء كل شيء بنفسها.

فعندما تصبح السرعة عاملاً حاسماً في المنافسة، قد يكون شراء شركة قائمة أكثر جدوى من محاولة تطوير البديل من الصفر.

ولهذا تحولت عمليات الاندماج والاستحواذ خلال العقود الأخيرة من أدوات مالية تُستخدم بين الحين والآخر إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات النمو لدى كثير من الشركات العالمية. فبالنسبة إلى عدد متزايد من الرؤساء التنفيذيين، لم يعد الاستحواذ وسيلة لتكبير حجم الشركة فحسب، بل وسيلة لشراء الوقت والخبرة والقدرة على الوصول إلى الأسواق.

لماذا تشتري الشركات بدلاً من أن تبني؟

من الناحية النظرية، تستطيع أي شركة تطوير منتجاتها الخاصة أو بناء فرق عمل جديدة أو دخول أسواق مختلفة بنفسها.

لكن بناء الأعمال يحتاج إلى الوقت، بينما أصبحت السرعة اليوم أحد أهم عناصر المنافسة.

فإذا احتاجت شركة إلى خمس سنوات لتطوير تقنية جديدة، بينما تستطيع الحصول عليها غداً عبر الاستحواذ على شركة متخصصة، فإن القرار يصبح أكثر وضوحاً.

ولهذا شهدت العقود الأخيرة آلاف الصفقات التي لم يكن هدفها زيادة الإيرادات فحسب، بل اختصار سنوات من التطوير وبناء القدرات.

شراء المستقبل

في كثير من الأحيان، لا تستحوذ الشركات الكبرى على شركات ناجحة فقط، بل على شركات ناشئة ما زالت في مراحل النمو.

والهدف هنا لا يكون ما تحققه الشركة اليوم، بل ما يمكن أن تحققه خلال السنوات المقبلة.

وقد شهد قطاع التكنولوجيا العديد من الأمثلة على شركات ناشئة تحولت إلى أجزاء أساسية من مؤسسات عالمية بعد الاستحواذ عليها.

وبالنسبة لكثير من الشركات، قد يكون الاستحواذ المبكر على شركة واعدة أقل تكلفة من منافستها بعد أن ترسخ موقعها في السوق.

عندما تصبح المواهب هدفاً للصفقة

في بعض الصفقات، لا تكون التقنية أو المنتجات هي الهدف الرئيسي.

بل الأشخاص أنفسهم.

ففي قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والبرمجيات والتقنيات المتقدمة، أصبح العثور على الكفاءات المتميزة أكثر صعوبة من العثور على التمويل.

ولهذا السبب، تلجأ بعض الشركات إلى الاستحواذ على شركات كاملة للحصول على فرق العمل التي طورت تلك المنتجات.

وفي وادي السيليكون، أصبح هذا النوع من الصفقات معروفاً باسم “الاستحواذ على المواهب”.

النمو الأسرع ليس دائماً الأرخص

رغم جاذبية الاستحواذات، فإنها ليست ضمانة للنجاح.

فالتاريخ مليء بصفقات ضخمة فشلت في تحقيق أهدافها بسبب صعوبة دمج الشركات المختلفة، أو اختلاف الثقافات المؤسسية، أو المبالغة في تقييم الأصول.

وتشير دراسات عديدة إلى أن نسبة كبيرة من عمليات الاندماج والاستحواذ لا تحقق النتائج التي كانت تتوقعها الإدارات عند توقيع الصفقة.

ولهذا السبب، لا يعتمد نجاح الاستحواذ على قيمة الصفقة فقط، بل على قدرة الشركة على تحويل شركتين منفصلتين إلى مؤسسة واحدة تعمل بكفاءة.

عصر النمو العضوي لم ينتهِ

ورغم ازدياد أهمية الاستحواذات، فإن الشركات الأكثر نجاحاً لا تعتمد عليها وحدها.

فالاستحواذ يوفر السرعة، لكنه لا يغني عن الابتكار الداخلي والاستثمار في تطوير المنتجات والخدمات.

ولهذا السبب، تميل الشركات الكبرى إلى الجمع بين المسارين: بناء بعض القدرات داخلياً، وشراء قدرات أخرى عندما يكون الوقت عاملاً حاسماً.

اقتصاد السرعة

ربما يكون التفسير الأهم لازدياد الاستحواذات في السنوات الأخيرة هو أن العديد من القطاعات أصبحت تكافئ سرعة الوصول إلى السوق أكثر من أي وقت مضى.

ففي قطاعات تتغير بوتيرة متسارعة، قد تكون السنوات التي توفرها صفقة استحواذ أكثر قيمة من الأموال التي دُفعت لإتمامها.

ولهذا السبب، لم تعد الاستحواذات مجرد وسيلة لتكبير حجم الشركات، بل أصبحت أداة استراتيجية لشراء المعرفة والموهبة والتكنولوجيا، والأهم من ذلك كله: شراء الوقت.

وفي عالم الأعمال، قد يكون الوقت أحياناً هو الأصل الأغلى على الإطلاق.

قد يعجبك ايضا