صحة

الصيام وفق الساعة البيولوجية يتصدر ترندات الصحة.. هل توقيت الطعام أهم من نوعه؟

لم يعد السؤال الصحي مقتصرًا على «ماذا نأكل؟»، بل امتد إلى «متى نأكل؟». ومن هنا، بدأ الصيام وفق الساعة البيولوجية يلفت الأنظار بوصفه نسخة مختلفة من الصيام المتقطع. فبدل تأخير الوجبة الأولى حتى الظهر وتناول العشاء ليلًا، يدعو هذا النظام إلى تناول الطعام خلال ساعات النهار وإنهاء الوجبات مبكرًا.

لكن هل يستطيع توقيت الوجبات وحده تحسين الصحة وخفض الوزن؟ وهل يصبح موعد الطعام أهم من مكوناته؟

https://images.openai.com/static-rsc-4/3EaqMDtUFPFSJd0HOUmaORqbP9_8oeF-OFXw9x4kAzpupTWnAD_Y4qe1r6JuaOoVLHYt96CsSpAS7dLa0UK0tk53pq7Qarw4iCmj6MeGZ3Z4fqsKUMLO9uufvowSnnl154PUCN-Vd7W3xYsjE8CpkFeS5GPYUVUYYxvQ2E8Ys6aAgyInumu1BoDCt82-rHBE?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/K9re4K21odTjwq3U41Ai9abeQp7RyPxrzFvQXBPbo-8D3WiR1GRcXvVXB5hOKnUXwn6w3jshEfpeFDsVhu-X8nd7Sq07YD_qiED0vrxUZVuTstI4onLCn2xsl5zc8_cYdvgGf_cEQa6iHyKYCAlce-a7Y9tE4xQh1zpCkhsnBoULbTmsytU46LX41QS7-XEh?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/h2idQALIgNuc4DWb4fvgeIEcDBFcihOwL-5iXV0bx3z8HR7Oc5WGdTiLirGW8EpnD4nXA31dPl1DGjxM5viCsmk7xp5ijgsTb-USJleLVeylTZHAzzqOmshgWFvTo5wkP_1a960dL1WOitqrRHqsOgi3Lf22bqwadPs8AHCYSrJ5xK3A65cmSN2azsXAyXG6?purpose=fullsize

ما الصيام وفق الساعة البيولوجية؟

يعتمد الصيام وفق الساعة البيولوجية على حصر تناول الطعام ضمن نافذة يومية ثابتة، تتراوح غالبًا بين 8 و10 ساعات. ويُفضّل أن تبدأ هذه النافذة صباحًا أو في وقت مبكر من اليوم، بدل امتدادها إلى ساعات الليل.

قد يتناول الشخص، على سبيل المثال، وجبته الأولى عند الثامنة صباحًا وينهي العشاء عند السادسة مساءً. بعد ذلك، يمتنع عن الأطعمة والمشروبات التي تحتوي على سعرات حرارية حتى صباح اليوم التالي.

ويختلف هذا النظام عن بعض أشكال الصيام المتقطع الشائعة. فقد يُطبّق صيام 16:8 بين الثانية عشرة ظهرًا والثامنة مساءً، بينما يهتم الصيام المتوافق مع الساعة البيولوجية بموعد الوجبات، وليس بعدد ساعات الامتناع عن الطعام فقط.

لماذا يهتم الجسم بموعد الوجبات؟

يمتلك الجسم ساعة داخلية تنظّم النوم واليقظة، وإفراز الهرمونات، والشهية، وحرارة الجسم والهضم. ويتحكم الضوء إلى حد كبير في الساعة الرئيسية الموجودة في الدماغ. في المقابل، تؤثر مواعيد الطعام في ساعات فرعية موجودة في أعضاء مثل الكبد والبنكرياس والعضلات.

خلال النهار، يكون الجسم عادةً أكثر استعدادًا للتعامل مع الغلوكوز واستخدام الطاقة. أما في وقت متأخر من الليل، فيبدأ بالاستعداد للنوم وتتغير استجابته الهرمونية. لذلك، قد يؤدي تناول وجبات كبيرة ليلًا بصورة متكررة إلى تعارض بين وقت الطعام والإيقاع الطبيعي للجسم.

ولا يعني ذلك أن وجبة ليلية واحدة ستسبب المرض. لكن تكرار الأكل المتأخر، خصوصًا مع اضطراب النوم وكثرة السعرات، قد يجعل تنظيم الشهية وسكر الدم أكثر صعوبة.

ماذا تقول الدراسات عن تناول الطعام مبكرًا؟

قدّمت عدة دراسات نتائج مشجعة، لكنها لم تصل إلى نتيجة نهائية تنطبق على الجميع.

في تجربة صغيرة نُشرت عام 2018، تناول ثمانية رجال مصابين بمقدمات السكري وجباتهم خلال ست ساعات، على أن تنتهي الوجبة الأخيرة قبل الثالثة عصرًا. وبعد خمسة أسابيع، تحسنت لديهم حساسية الإنسولين وضغط الدم وبعض مؤشرات الإجهاد التأكسدي، رغم عدم خسارتهم للوزن. لكن العدد المحدود جدًا للمشاركين يمنع تعميم النتائج.

وفي تجربة عشوائية أخرى شملت 90 بالغًا مصابين بالسمنة، تناولت إحدى المجموعات الطعام بين السابعة صباحًا والثالثة عصرًا، إلى جانب اتباع نظام منخفض السعرات. وبعد 14 أسبوعًا، خسرت هذه المجموعة وزنًا أكبر من المجموعة التي تناولت الطعام خلال 12 ساعة أو أكثر. إلا أن الفارق في خسارة الدهون لم يكن واضحًا بالقدر نفسه.

كما اختبرت دراسة نُشرت عام 2024 نافذة طعام تراوحت بين 8 و10 ساعات لدى بالغين يعانون متلازمة الأيض. وبعد ثلاثة أشهر، ظهرت تحسينات محدودة في مستوى السكر التراكمي والوزن ومؤشر كتلة الجسم ودهون الجذع. ومع ذلك، وصف الباحثون الفوائد بأنها متواضعة، وأكدوا الحاجة إلى دراسات أطول.

وتشير مراجعة منهجية منشورة في 2026 إلى أن تقييد ساعات الطعام قد يحسن بعض المؤشرات الأيضية. كما بدا تناول الطعام مبكرًا أفضل من تأخيره في عدد من النتائج. لكن تأثير مدة نافذة الطعام لم يكن متسقًا بين جميع الدراسات.

هل توقيت الطعام أهم من نوعه؟

الإجابة المختصرة: لا.

قد يكون توقيت الطعام جزءًا مهمًا من الصورة، لكنه لا يلغي تأثير نوع الطعام وكميته. فلا يمكن لوجبات غنية بالسكريات والدهون المشبعة وفقيرة بالألياف أن تتحول إلى نظام صحي لمجرد تناولها قبل غروب الشمس.

وقد أكدت تجربة استمرت عامًا كاملًا هذه النقطة. قارن الباحثون بين خفض السعرات وحده، وخفض السعرات مع تناول الطعام خلال نافذة زمنية محددة. خسر المشاركون في المجموعتين الوزن، لكن تقييد موعد الطعام لم يمنح المجموعة الثانية تفوقًا واضحًا في الوزن أو دهون الجسم أو عوامل الخطر الأيضية.

بمعنى آخر، قد يساعد تحديد الساعات بعض الأشخاص على تقليل الأكل العشوائي والوجبات الليلية. لكنه لا يمتلك تأثيرًا سحريًا مستقلًا عن السعرات وجودة الغذاء.

والأفضل هو الجمع بين ثلاثة عناصر:

  • طعام متوازن غني بالخضراوات والبروتين والألياف.
  • كمية تتناسب مع احتياجات الجسم.
  • مواعيد منتظمة لا تمتد إلى وقت متأخر من الليل.
https://images.openai.com/static-rsc-4/tKiOGLWlg-45EbHK8K1UKH51dHVSbL6XxllL83n1gfyLuISws375oIAN17R1KHuyIJFlCr1U74an7sep1SPhh9QrdgX7_57q0in3dGghMHsqamkReyNTr1f9QLgLAhxDLLAm9XyvuSQCxC21whHipEonNZUr3WwrRr1m_OFtDTWZDI9g_AFBuqwGJiPLcaUV?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/QTtzuL7oyFhk0sPp5aBwpgJFmVIDVV_co4BYgbEVUgmDafIz_U80qoYm90kuo_mDcq__LrHhberusdB7gSgeWly1vKQOgyrfE96WQX_UEHnynrgoVSqRzOlxh2m92HQmvdlF0yFevJcnGdujMq2VxLQtkeaALKc8PsEWBKaueF11AtFM4jLQG4RwG5J9AVqX?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/tiu_3GpoKjFwdzUGJpSMW9R6yLiNK7ae-T99PxiO14h1KRNti7uruyOAJCvEhdiTr4dSguQyx9tR3E6iXD1J40I8i0WMFmxSwy2ceGk0pMpnGkuXygfaWTQzvqs47cUEuuCmJ6-1yjstgiEzvfzwSj52b7nV2jBjXPm5p7kM8Dfr7HwyruoS1nveI0FgGZUs?purpose=fullsize

لماذا قد يساعد على خسارة الوزن؟

لا تثبت الأدلة حتى الآن أن نافذة الطعام القصيرة ترفع حرق السعرات بصورة كبيرة. وفي كثير من الحالات، تكون الفائدة أبسط من ذلك: عندما يقل عدد الساعات المتاحة للأكل، تقل فرص تناول الحلويات والوجبات الخفيفة ليلًا.

كما أن وجود موعد واضح لإغلاق المطبخ قد يخفف الأكل الناتج عن الملل أو مشاهدة التلفزيون. لذلك، قد يخسر الشخص الوزن لأنه تناول سعرات أقل تلقائيًا، وليس لأن الساعة وحدها غيّرت طريقة حرق الدهون.

وهنا تختلف التجربة بين الأشخاص. فقد يجد البعض أن تحديد المواعيد أسهل من حساب السعرات، بينما يشعر آخرون بجوع شديد يدفعهم إلى تناول كميات كبيرة خلال النافذة المتاحة.

هل يجب تناول العشاء عند الثالثة عصرًا؟

ليس بالضرورة. فالجدول المستخدم في بعض الدراسات صُمم لأغراض البحث، وقد يكون صعب التطبيق في الحياة اليومية.

يمكن البدء بطريقة أكثر واقعية، مثل تناول الطعام خلال 10 أو 12 ساعة، وإنهاء الوجبة الأخيرة قبل النوم بساعتين أو ثلاث. ومن الممكن تقليص النافذة تدريجيًا إذا كان النظام مريحًا ولا يسبب التعب أو الإفراط في الأكل.

وقد يبدو اليوم على النحو الآتي:

  • الإفطار عند الثامنة صباحًا.
  • الغداء عند الثانية ظهرًا.
  • العشاء عند السادسة مساءً.
  • الصيام الليلي من السادسة مساءً حتى الثامنة صباحًا.

ولا توجد ساعة واحدة مناسبة للجميع. فمواعيد النوم والعمل، والحالة الصحية، والأدوية المستخدمة، عوامل يجب أخذها في الاعتبار.

https://images.openai.com/static-rsc-4/TYATdkspDjld0dbAv0C65Xp0zG0O8pKLXey53zAyZLjzBSBcuRKJQPLOdPUcikREfYVbDdlB5FFk2Xvoky9fcw2-xRs-7wxuUGwdOCqjYW_xTCj6OjBZiCNfu8Iw-PYNFT8C2Zzn3vekKS4MKZmkhbpssY9zz1stru3T3bCpD-Dgfd1_xKZcbDhK3pNE9Wwg?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/B7_id-nqz6DcPRXK2jaGnUgsfTGYXwyB_GjaTcGdKPoSsztsf95hBF1SwK8A01rmvu5nKi7GNOCgin7uek5f17AZj5bGu8Cgh96YsteEEER7orOFRjIfc6SuCUDohUzuhS4veW_CLx93p6HnPJDm_ztgHZi6pVaf4nid5yePKAXD-L5GOTUhugeHmSkY6G3f?purpose=fullsize
https://images.openai.com/static-rsc-4/iusBI-65-XqxZegFeEk7gLTET7Zj0f9cbwCnEdLKJ7VhBfLXBzezq7IJKGg49agVzr0nRj6u6fmYdGQerYD8eg5Ufp8UKwQQ84HTsRduEND2lsXqs7Daek7K1V8vTwgS49JVPgkTZVWM3BYH48mTML7T42VigKHc_cU2OSYuDca-iPyHjVCHbBDCrUfeF4Os?purpose=fullsize

هل القهوة مسموحة خلال الصيام؟

يبقى الماء الخيار الأساسي خلال فترة الصيام. كما تسمح أنظمة كثيرة بالقهوة السوداء والشاي غير المحلى لعدم احتوائهما على كمية تُذكر من السعرات.

لكن إضافة السكر أو الحليب أو المبيضات تعني استهلاك سعرات حرارية. كذلك، قد تؤثر القهوة المتأخرة في جودة النوم، وهو ما يتعارض مع الهدف الأساسي من تنظيم الساعة البيولوجية.

الصيام وفق الساعة البيولوجية ليس صيام رمضان

يتشابه النظامان في وجود فترة يومية من الامتناع عن الطعام، لكن توقيتهما مختلف. يسمح صيام رمضان بتناول الطعام بين المغرب والفجر، بينما يشجع الصيام البيولوجي على تناول الجزء الأكبر من الطعام خلال النهار والابتعاد عن الوجبات الليلية.

لذلك، لا يمكن نقل نتائج دراسات تقييد الطعام النهاري مباشرة إلى صيام رمضان. كما تتأثر النتائج خلال الشهر بنوعية الوجبات، ومواعيد النوم، والنشاط البدني، وكمية الطعام بين الإفطار والسحور.

من يحتاج إلى استشارة الطبيب أولًا؟

لا يناسب تقييد ساعات الطعام الجميع، خصوصًا عند تطبيق نافذة قصيرة أو حذف وجبات أساسية. وتزداد أهمية الاستشارة الطبية لدى:

  • مرضى السكري الذين يستخدمون الإنسولين أو أدوية قد تخفض مستوى السكر.
  • الحوامل والمرضعات.
  • الأطفال والمراهقين.
  • من لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل.
  • كبار السن أو من يعانون نقص الوزن والضعف الجسدي.
  • من يتناولون أدوية يجب أخذها مع الطعام.
  • العاملين بنظام المناوبات الليلية.
  • المصابين بأمراض مزمنة تتطلب نظامًا غذائيًا خاصًا.

وينبغي إيقاف النظام ومراجعة مختص عند ظهور دوخة متكررة، أو إغماء، أو صداع شديد، أو نوبات انخفاض السكر، أو اضطراب ملحوظ في الدورة الشهرية، أو علاقة قلقة بالطعام.

كيف يمكن تطبيقه بطريقة آمنة؟

لا يحتاج البدء إلى صيام قاسٍ أو نافذة لا تتجاوز ست ساعات. ويمكن تطبيق الفكرة تدريجيًا من خلال:

  1. تسجيل موعد أول وآخر وجبة لعدة أيام.
  2. إيقاف الوجبات الخفيفة بعد العشاء.
  3. تقديم موعد العشاء تدريجيًا.
  4. اعتماد نافذة مريحة من 10 إلى 12 ساعة في البداية.
  5. تناول وجبات كافية ومتوازنة خلال الساعات المتاحة.
  6. تثبيت مواعيد النوم قدر الإمكان.
  7. عدم استخدام الصيام لتعويض الإفراط في الأكل.

كما يجب ألا يتحول الالتزام بالساعة إلى سبب لتجاهل الجوع الحقيقي أو المناسبات والحياة الاجتماعية. فالنظام المفيد هو الذي يمكن الاستمرار عليه من دون إنهاك أو شعور دائم بالحرمان.

الخلاصة: الساعة مهمة لكنها لا تتفوق على محتوى الطبق

يكشف الصيام وفق الساعة البيولوجية أن الجسم لا يتعامل مع الوجبة بالطريقة نفسها في جميع ساعات اليوم. وقد يساعد تناول الطعام مبكرًا والابتعاد عن الوجبات الليلية في تحسين بعض مؤشرات السكر والوزن وضغط الدم، خصوصًا لدى بعض الفئات.

مع ذلك، لا تثبت الأدلة أن توقيت الطعام أهم من نوعه. فالوجبة المتوازنة تبقى متوازنة، سواء تناولناها في الثامنة صباحًا أو السادسة مساءً. أما الطعام ضعيف القيمة الغذائية، فلن يصبح صحيًا لأنه تم تناوله ضمن نافذة زمنية محددة.

لذلك، يمكن النظر إلى توقيت الوجبات كأداة إضافية لتنظيم الأكل، لا كبديل عن الغذاء المتوازن والنوم الجيد والحركة والمتابعة الطبية.